تحظى رسوم الأطفال باهتمام كبير من أولياء الأمور والمعلمين والنفسانيين. وهي كذلك لما يراه الكثير منا بأنها تعكس خصائص دلالية على نموهم الفني والعقلي والنفسي والاجتماعي.
قد تعطينا الرسوم معلومات غير لفظية عن مشاعر وأحاسيس واتجاهات الأطفال السلوكية في وقت لا يستطيع الطفل التحدث عنها لفظيا وبطريقة مباشرة لأسباب مختلفة منها عدم قدرة الطفل على التعبير لفظيا وأحيانا عدم رغبة الطفل في افشاء ما بداخله خوفا أو استحياء أو عدم إدراك منه لما يشعر به. وبهذا تأتي الرسومات والتعبيرات الفنية الأخرى كأدوات تواصل للطفل.
للتعبير الفني لدى الطفل قوانين ومسارات وخصائص اتفق العلماء والممارسون على جدواها في التعرف على محتوى ذلك التعبير الفني. وتلك القوانين ليست متاحة بشكل طبيعي لأي من يريد التعرف عليها وتحليل رسوم الأطفال. بل أن تحليل رسوم الأطفال من أصعب الأمور حتى لدى المختصين في تحليلها لما بها من محتوى يتشعب ويغطي كامل البنية الشخصية والبدنية للطفل. وهذا يدخلنا في مواضيع صعبة ومتشعبة وتحتاج إلى معارف علمية وخبرات وممارسات طويلة ومستمرة في تحليل رسوم الأطفال.
وبحكم أن هناك حاجة ماسة للتعرف على محتوى رسوم الأطفال، خصوصا من الأمهات وبعض الآباء تجدهم في بحث مستمر عمن يساعدهم في فهم رسوم أطفالهم.
وللأسف وبحكم عدم وجود رقابة في الوطن العربي على ممارسات الغير مهنيين لمثل هذه التخصصات ، يتوافر عدد مهول من هؤلاء على صفحات الانترنت يلبون ذلك الاحتياج بأي طريقة كانت، وبمقابل مادي أو لزيادة أعداد المتابعين لدى المستغلين لوسائل التواصل الاجتماعي، في ظل غياب أو انعدام المختصين المؤهلين في هذا الجانب المهم من حياة أطفالنا. وهنا أود أن أنوه إلى الحذر من تسليم رسومات أطفالنا لهم واعتماد ما يذكرونه من تحليلات ليس لها أدنى قدر من الصحة. فمن هم الذين يستطيعون تحليل رسوم الأطفال بشكل موثوق به؟
- أولا: المتخصصون في العلاج بالفن التشكيلي، ولديهم خبرة لاتقل عن سنتين في ممارسة العلاج بالفن التشكيلي في المنطقة التي تأتي منها هذه الرسومات، إذ يسيطر الجانب الثقافي للبيئة الاجتماعية ونظام التعليم وديناميكيات العائلة على محتوى الرسمة.
- ثانيا: يأتي دور الأخصائي النفسي الذي لديه خلفية علمية وأكاديمية في علم نفس النمو ومراحل نمو رسوم الأطفال، والتحليل النفسي والاختبارات الإسقاطية، ولديه خبرة طويلة في ممارسة تحليل اللاشعور في التعبيرات الفنية.
- ثالثا: خريجي ومعلمي التربية الفنية الذين حصلوا على تعليم إضافي في الإسقاط الفني ويعرفون الاختبارات الإسقاطية ويمارسون تعليم الفنون للأطفال كمهنة أساسية يومية بالإضافة إلى فهمهم لديناميكيات العائلة والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية في البيئة التي تأتي منها الرسمة تحت الدراسة.
ونود التنويه إلى دور الخبرات الخاصة المتميزة التي يتمتع بها المختص إذ تؤدي تلك الخبرة إلى إثراء عملية التحليل بشكل واضح.
كيف تكتشف أهمية رسوم أطفالك:
أود أن أضيف بعض النقاط المهمة التي قد تساعد الأم أو الأب على معرفة ما إذا كانت رسمة الطفل تحتاج إلى نوع من التعمق من قبل أخصائي ليقوم بتحليلها أذكر منها اثنتين كالتالي :
١- الانطباع الأول عن الرسمة: (حزينة، سعيدة، غاضبة، …) عندما يعطيك الطفل رسمته فإنك تكوّن انطباعا أوليا عن محتوى الرسمة. هذا الانطباع هو نوع من الالتقاء اللاشعوري بينك وبين المحتوى اللاشعوري الموجود في اللوحة. احتفظ به وافحصه جيدا وإذا شعرت بأن ذلك الانطباع يضع علامات استفهام أنت بحاجة إلى معرفتها، هنا عليك التواصل مع الأخصائي.
٢- العناصر المنطقية المحذوفة في موضوع الرسمة: أولا هده إحدى خصائص رسوم الأطفال في المرحلة العمرية بين ٥-٨ سنوات وما حولها. هذه الخاصية تعتبر من الخصائص الانفعالية التي تؤدي دور عدم الاهتمام آو الاعتراض على شيء أو عدم الرغبة في شيء وما إلى ذلك وتحمل حساسية خاصة جدا تحتاج إلى انتباه من الكبار.
أهم شيء في العملية بأكملها أن تسأل الطفل بأن يصف لك الصورة. ومن خلال خبراتنا لأكثر من ٣٠ عام في هذا المجال وجدنا أن عملية التحليل تعتمد على جواب هذا السؤال وتسهل عملية التحليل بشكل كبير جدا. ومن خلال هذه الإجابة سيتضح لك موضوع الرسم وأهميته بالنسبة للطفل، وهل هناك موضوع لم يكن قادرا عن التحدث معك عنه مباشرة، أو ما يقلق الطفل في ذلك الموضوع سواء كان الموضوع عن المدرسة أو عن الأصدقاء، أو داخل العائلة وأمور كثيرة قد تتفاجأ بظهورها. قد يقول البعض” لماذا الطفل لا يشتكي؟ “في الحقيقة هناك أمور لا يمكن لها أن تظهر من خلال التعبير اللفظي. وبعد رسمها يستطيع الفرد سواء كان طفلا أو مراهقا أو بالغا التحدث عنها إذا توفرت له البيئة الآمنة. وهي تحتاج للتمهيد لها بالتعبير اللاشعوري أولا لتكتسب الزخم المطلوب لها بأن تلفظ ويتم التعبير عنها بشكل لفظي. رسوم الأطفال لغة ثانية تعبّر عن مشاعرهم الداخلية. فلنهتم بها.