الفن والحالة النفسية (٣)

ارسم “من أنا، وماذا أريد الوصول إليه”

الحصر الذاتي-تحديد الأهداف الانفعالية-الخروج من دائرة الاحباط-النظرة المستقبلية-التغيير

عندما نتمعن في الجزء الأول من هذا السؤال (من أنا ؟) نجد أنفسنا نبحث في الصور الداخلية لأنفسنا. نذهب إلى أعماق ألتخيل للصور الذاتية التي مررنا بها. ولكن عندما يحضر إلينا عميل يعاني من شيء ما فإنه لايتعدى صوره الداخلية عن ذاته التي تعاني من شيء ما مثل الكئابة أو الألم أو التعاسة، أو الشكوك الزوجية أو أي مشكلة مسيطرة على ذهنه في ذلك الوقت. وكذلك هو الحال أيضا عندما تسيطر علينا أعباء الحياة اليومية وتكثر المشاكل والمتطلبات. تجعل البعض منا يتمركز حولها ويدخل في دائرة سلبية قد يلوم نفسه على تقصير ما أو عدم وصوله إلى هدف ما. هنا يبدأ دائرة جديدة وسريعة في الشعور بالعجز، وتحضر الصور الذهنية السلبية إلى ذهنه وقد تكبر شيئا فشيئا ليصل إلى درجة الإحباط وربما يبدأ بجلد الذات. ويتسائل كيف الخروج من هذه الدوامة المزعجة.

الحل في الحقيقة سهل ولكنه ليس بتلك البساطة التي تسللت من خلالها الأفكار السيئة إلى مخيلته. في مجتمعنا المحلي نستعيذ بالله من الوسواس الخناس. وهذا ممتاز إذا كان ذلك مفيدا لذلك الشخص. ولكن الكثير منا قد تستمر معه تلك الأفكار الهدامة وتكبر شيئا فشيئا ويكتسب مثالا آخرا على فشله في حل اشكالاته. وهنا يدخل في دوامة الفشل. والبعض يذهب الى الانترنت فيواجه بزخم كبير من مطوري الذات الذين يصورون له الحياة والقوة ويتصور بأن بداخله “عملاق يجب أن يوقظه”. وهذه نظريات مبنية على خبرات شخصية لآخرون لديهم المقومات والقدرات الذاتية والإمكانات والعلاقات الشخصية التي فد تساعدهم. ولكن بالنسبة لك ولي عزيزي القارئ ربما لا تتوفر لدينا تلك الخصائص فنحاول إيقاظ ذلك العملاق الذي هو في الحقيقة غير موجود لدينا. فتزداد احباطاتنا وتتسع دائرة تلك الدوامة المهلكة لدينا. والحل هو في سؤال أنفسنا عن أنفسنا. وماذا نريد أن نصل إليه. وبعيدا عن التركيز على المشاكل والعيش في الدوامة المسيطرة، وبالإجابة على ذلك السؤال تجد نفسك قد حورت المحادثة الداخلية من التركيز على تأثير المشكلات الخارجية عليك إلى التركيز على نفسك وقدراتك وموروثك الخاص بك والذي تملكه بالفعل من مقومات لتصل إلى إجابة على ماذا تريد أن تصل إليه.

وكما ذكرت في بداية هذه المقالة بأنه عندما يسألنا صديق أو يحضر إلينا عميل يبدأ بالشكوى عن مشكلاته التي يعاني منها سواء كانت أعراض لمرض نفسي أو مشكلات شخصية أو زوجية. نستمع إليه ونعطيه المساحة الكافية للتعبير عن نفسه. ونشعره بالتعاطف معه ولكن بخلاف المعتاد في جلسات العلاج النفسي أو الإرشاد النفسي المعتاد الذي يركز على المشكلة ويغوص فيها للبحث عن أسباب المشكلة. لم نعد نهتم كثيرا بالمشكلة وأسبابها؛ حيث عندما كنا نتبع الأسلوب التحليلي أو المعرفي السلوكي الذي أتقناه على مر السنين. والذي وجدنا بأنه لا يلبي رغبة العميل بالسرعة المطلوبة التي يرغب العميل الوصول إليها. فالذي نقوم به الآن هو التركيز على إيجاد الحلول النابعة من الشخص نفسه باعتبار أنه هو الخبير الحقيقي بحياته وما يناسبه هو وليس مايناسب التقنيات العلاجية التي تعلمناها في الكتب عبر مراحل الدراسات النفسية والاجتماعية والتي بنيت على افتراضات نجحت مع أناس غير ي أنا وأنت. نطلب من صديقنا أن يرسم حصيلته الحقيقية من تجاربه الماضية وليس “ارسم مشكلتك” أو ” ارسم أي شي”. لأن تلك التوجيهات تبحث في المشكلات وليس في الحلول. نذهب مباشرة لما يبحث عنه صديقنا وهو “ماذا يريد أن يكون عليه” وهو أيضا خلاصه الحقيقي من الدوامة المزعجة المحبطة الهدامة. وفي رسوماته يتذكر ويركز بمافيه الكفاية على موروثه الشخصي الإيجابي الملموس والحقيقي وليس المتخيل أو مايظن أن عملاقه الداخلي قد يعطيه. وبينما هو يرسم كل جزء من تلك الرسمة يستعيد نفسه من خلال تذكره للأحداث والإنجازات والمشاعر المصاحبة لها التي تحيّد مشاعر الإحساس بالاجباط، وتعيد له توازنه النفسي الداخلي الذي فقده من جراء تمركزه حول مشكلته.

جرب رسم “اين تريد أن تصل إليه،” مبتعدا كل البعد عن المشكلة وتفاصيلها. وبعدها ارسم انجازاتك السابقة وتواصل معنا من خلال قسم تعليقات الموقع بأسفل الصفحة لتخبرنا عن “من أنت وإلى أين أنت ذاهب في حياتك”. وفقك الله.

نُشر بواسطة Dr. Awad Alyami

مستشار العلاج بالفن التشكيلي

رأيان على “الفن والحالة النفسية (٣)

أضف تعليق