
التخيّل ١
تعلم كيف تغير حياتك من خلال افضل طرق التخيل… السر في التفاصيل
"التخيل (Imagination) أهم من المعرفة. فالمعرفة محدودة ، بينما يشمل التخيل العالم بأسره ، ويحفز التقدم ، ويولد التطور."
من أقوال العالم آلبرت آينشتاين
يلعب التخيل في العملية الابتكارية دورا كبيرا ليظهر العمل الفني بصيغة إبداعية فريدة. ويختلف التخيل عن الخيال(أحلام اليقضة) بأنه الصورة التطبيقية للصور الذهنية بينما يقف الأخير عند نقطة عدم التنفيذ ويستمر التخيل في التبلور حتى يصل إلى التطبيق الفعلي والتمثيل الحقيقي على أرض الواقع في صورة عمل فني سواء مجسم ثلاثي الأبعاد أو ذو بعدين (مسطح) في حالة الفنون التشكيلية. ويتمتع الفنان التعبيري بهذه الملكة عن غيره من الناس لما يقوم به من تنمية لها كمهارة أساسية في حياته لأن مجال عمله يعتمد على الصور الذهنية التي تساعده على تمثيلها في أعماله الفنية. وتتمثل الصور المتخيلة لدى الفنان التشكيلي بأنها تفصيلية للغاية من حيث الشكل والخلفية والألوان والخطوط والسمك والحجم وما يجب على الموضوع أن ينقله للتفاعل مع الجمهور. ولا تقل درجة التخيل لدى الفنانين التعبيريين (المعبرين) الآخرين مثل الممثل والكاتب السينمائي حيث يتخيل المسرحيون الحدث بكامله مضاف إليه المشاعر المقنعة التي تشبه الواقع والفكرة المراد التعبير عنها، ويتخيل الراقص حركة الجسم ومكانه في الفراغ وما تحتاج الحركة أن تحدثه من مشاعر مختلفة، ويتخيل الموسيقي القطعة الموسيقية المؤثرة على المشاعر بأقصى دقة لوصف وخلق المشاعر المقصودة، وكذلك ما يتخيله القصصيون وغيرهم من المبدعين التعبيريين. ولا تقتصر ملكة التخيل على الفنانين فقط بل إنها متوفرة لدى جميع البشر ولكن بدرجات متباينة من شخص إلى آخر، ونسبة ضئيلة كما ذكر بعض العلماء من أمثال (Pearson, 2019)، تكاد لا تذكر من الناس لاتتوفر لديهم هذه القدرة المتميزة.
التخيل هو القدرة على تصور صورة مركبة ثابتة أو متحركة أو حدث ما مضاف إليه المشاعر والأحاسيس. بحيث أن يكون ذلك الحدث مختلطا بصور وأحداث ذات علاقة به في الأساس سواء من الذاكرة أو الواقع أو حتى مبتكرا تماما لتحدث فرقا في الناتج النهائي للصورة أو الحدث تؤدي إلى تغيير شامل للحدث أو الصورة ينتج عنها وظيفة جديدة ذات أثر فاعل في البيئة. وهذا يعني إمكانية تنفيذه لحل مشكلة ما أو ابتكار شيء جديد لمنفعة البشر. ونجده متجسد في كل شيء من حولنا. فكل ماتراه حولك من ابداع الإنسان كان يوما صورة خيالية في ذهن صاحبها وجدت فرصة للتمثل في الواقع لتحل مشكلة ما أو تحسن من حياة البشر.
إننا عندما نقوم بإنتاج عمل فني، فإننا نقوم بتصور أشكالا وألوانا وخطوطا من الذاكرة أو الواقع وندمج بينها ونرتبها بطريقة معينة لتعبر عن شيء أو فكرة محددة ثم ننفذها في الواقع على شكل عمل فني ذو قيمة شخصية معينة أو منفعة عامة. قد نقوم بعملية الترتيب والتنسيق في مخيلتنا أولاً، أو تتم تلك العملية مباشرة على أرض الواقع في لوحة ما أو تشكيل مجسم في عملية بنائية لحظية كما يفعل بعض الفنانون المتمرسون. وقد يحتاج البعض إلى أن يقوم بعد ذلك بالصياغة أو إعادة الصياغة لتلك الأشكال عدة مرات حتى يصل إلى ما يهدف للوصول إليه كعمل فني هو مقتنع به.
تحدث هذه العملية لدى الفنان المتمرس وكذلك المبتدئ وحتى مع الشخص الذي مقتنع تماما بأنه لايستطيع الرسم أو التشكيل. وهذا يعني أن كل فرد يستطيع القيام بذلك إذا سمحت له قدراته الذهنية أو البدنية للإنتاج الفني. هذا باستثناء من ليس لديه القدرة على التخيل من الأساس.
الجدير بالذكر أننا نقوم بهذا الشئ(التخيل) في الحياة اليومية في مواضع مختلفة من حياتنا بعيدا عن الفن وبشكل عفوي وقد لا ندرك مدى قوة التخيل وأثره في حياتنا اليومية والحالة النفسية. فالشخص على سبيل المثال عندما يفتح عيناه من النوم في الصباح فإنه يتخيل الكثير من ما يتوجب عليه أن يقوم به في ذلك اليوم. فالبعض منا في هذه الحالة ينهض مفعما بالطاقة والحيوية والبعض الآخر يتباطأ في النهوض وكأن شيئا يسحبه مرة أخرى إلى فراش النوم، والبعض يستمر في النوم غير مباليا بالنتائج. وهنا قد تختلف عمليات التخيل من شخص إلى آخر وفي مواضيع مختلفة. يقوم الفرد منا من النوم وهو يتخيل مواضيع كثيرة ويتخيل بطريقة أوتوماتيكية سير العمل في المكتب أو لقاءا معينا أو زيارة معينة أو طبخة معينة وغير ذلك. فقد يتخيل البعض تلك الأحداث بشئ من التعمق أو شيء من السطحية، كل حسب أهميته. ولكن هذه العملية قمة في التعقيد عندما ننظر إليها من الناحية النفسية والعقلية (Pearson, 2019)، حيث تلعب الذاكرة دورا أساسيا مع غيرها من العمليات العقلية الأخرى كاللاشعور والإدراك والحدس ومراكز الصوت والصور والشم واللمس والتذوق في الدماغ وكذلك ما تقوم به المسارات العصبية لكل حدث، إضافة الى الانتماء الديني والثقافة والأيديولوجية والحالة الجسدية والنفسية بشكل عام.
يقول العلماء بأن التخيل يلعب دورا كبيرا في الحالة النفسية كما أنه يتأثر بها. وتبعا لقدرة الفرد على التخيل فهي قد تكون سببا لسعادته أو تعاسته. فقد تكون سببا في اصابته بالاضطراب العقلي مثل الفصام واضطراب مابعد الصدمة PTSD ، وكذلك الأحداث المؤلمة ذات الكثافة الحسية العالية كالمخاوف المختلفة والاكتئاب وبقية الاضطرابات النفسية والمشاكل الاجتماعية. ولكن في المقابل نرى أن للتخيل الموجّه القدرة على علاج مثل هذه الحالات ويصبح قادرا على بناء وتحقيق رؤية لمستقبل أفضل له شخصيا أو مجتمع بأكمله، والقصص المعاصرة المثالية في وطننا واضحة وضوح الشمس. ويستعمل المختصين المتمرسين في العلاج المعرفي السلوكي أسلوب التطمين المتدرجSystematic desensitization في علاج بعض تلك الإضطرابات. وكذلك المختصين في العلاج بالفن التشكيلي في إعادة تشكيل الخبرات السابقة والاستفادة منها من خلال تقنيات التخيل الموجه بقدرات عالية لمالهم من خبرة علمية وعملية بالممارسات الفنية والتخيل والابتكار. ورأينا في السنوات الخمسة الأخيرة كيف يستعمل المختصين في العلاج بالفن المتمركز على الحلSFBAT استحضار الخبرات الإيجابية السابقة للفرد وطرحها في واقع حاضر للعميل ليتخطى مشكلاته الحالية ويدفعه لتحقيق أفضل آماله ولكنها عملية تحتاج إلى تعليم عال وقدرات استثنائية في دمج الخبرات السابقة بالآمال المستقبلية وإخراج المريض من حالته النفسية المريرة.
ومن هذا المنطلق ينفتح أمامنا باب نحو المستقبل حيث أنه بما أن للتخيل القدرة على جلب التعاسة والمرض فهو أيضا يمكننا استعماله لتحقيق أفضل الآمال.
وبناء على ذلك فإنه من الممكن أن يغير من أحاسيس الفرد ومشاعره ليتوازن خلال يومه من حيث تغييره لنظرته التشاؤمية نحو العالم والعمل والعلاقات الشخصية وغيرها من الأمور التي تسحبه إلى الوراء والتراجع عن تحقيق أفضل الآمال.
إن لخبراتنا السابقة كبشر والعوائق التي استسلمنا لها سواء بإرادتنا أو فرضت علينا نتيجة التربية أو الثقافة أو الجهل أو العدوان المباشر وكذلك الدعم والتشجيع دورا كبيرا في تقدمنا أو تأخرنا في الحياة بتميز. وللعلم فإن لتلك الخبرات مهما كانت سلبية أو إيجابية الدور الأساس في تعاملاتنا السلوكية واليومية وحالتنا النفسية؛ حيث أنها متواجدة في اللاشعور والذاكرة البعيدة المدى التي يتم استحضارها آليا بنفس مشاعرها التي صاحبتها بطريقة لاشعورية في معظم الحالات حيث لا يستطيع الشخص معرفة الأسباب التي تدفعه إلى تفادي موقف ما أو الدفاع عن نفسه والهروب من موقف لا يستحق ذلك، أو يمنعه من تحقيق هدف أو عمل ما أو الحفاظ على علاقة زوجية أو ينتابه الغضب في موقف ما لايستدعي ذلك، أو حتى تغيير حالته المزاجية. وهناك أمثلة كثيرة كان للاشعور ونوعية التفكير والتخيل دور في إيقاع الفرد في مواقف صعبة أو حتى دخوله في حالة نفسية غير طبيعية أو تورطه في مشكلة زجّت به في غياهب السجن سنين طويلة أو الاعتماد الكلي على المخدرات.
ويتكون اللاشعور من الخبرات الماضية التي كان لها كثافة حسية عالية وقد تكون إيجابية أو سلبية وتكون البنية المعرفية (المرجعية العصبية) التي يبني عليها الفرد تفكيره وخياله وسلوكه اليومي وحتى طموحاته وحالته النفسية التي يريد أن يكون عليها. وفي السنوات السبع الأولى كما يذكرعلماء النفس وبعض من الفلاسفة يتكون اللاشعور وتتكون المفاهيم الأساسية عن العالم الخارجي للفرد. حيث أن السنوات الخمس الأولى تعتبر الأهم في هذا الإطار. فالطفل هنا يبني القواعد الأساسية لكل مايحتاج إليه في حياته. وينطلق من هذه السنوات الخمس بانيا كل قواعد تعاملاته على تلك المفاهيم التي تعلمها لتكون المرجع الأساس له، وفي ذلك أود لفت الانتباه إلى دور رياض الأطفال التي نرسل أطفالنا اليها ليقضون نصف ساعات النهار فيها؛ مع من وماذا يكتسبون فيها من خبرات ومهارات تثبت مدى الحياة معهم وتسير مستقبل كل منهم؟ وفي السنة السادسة والسابعة يتعلم أساليب السلوكيات الاجتماعية والعادات والتعود والتعاملات الاقتصادية الأساسية والصحة البدنية وبدايات بناء العلاقات الشخصية والتعلم والتي تضاف أيضا كمعارف ثابته وتضاف إلى الخبرات السابقة التي خزنت في اللاشعور ويتم بناء الأنا العليا التي تقوم ببناء القدرة على الأحكام الانفعالية والاجتماعية (القدرة على اتخاذ القرارات والأحكام المناسبة) وتعمل بشكل خفي غير مدرك من قبلنا. وعلى هذا الأساس لا يستطيع الكثير منا تذكر الكثير من مجريات حياتنا في الخمس سنوات الأولى من حياتنا لأنها قد اتخذت مكانها في نفسياتنا في اللاشعور وتقوم بإدارتنا ضمن القواعد التي تم ترسيتها في تلك السنوات وحسب مساراتها العصبية في الدماغ. وهي قواعد عريضة شاملة تم أرشفتها وتصنيفها على أعلى مستويات التصنيف ليتم استعمالها كمرجعيات ثابتة لسلوكياتنا وتعاملاتنا اليومية في كل جزء من مجريات الحياة. فاللاشعور قد بنى القواعد والأسس وسجل كل ما يحتاج ليقودنا في حياتنا نحو المستقبل، ويتم الرجوع اليها اوتوماتيكيا عند كل فكرة يصدرها الادراك أو تصدره البيئة من حولنا فنتصرف حسب ذلك المصدر والقاعدة بشكل عفوي لا نقوى عليه ونعتبره صحيحا لاغبار عليه حتى لو أنه ينافي العقل والواقع الحالي. وعلى هذا الأساس نرى الفرد عندما يكبر بسنين ويكون في موقف عصري يرتبك ولم تعد عاداته وقواعده القديمة متطابقة مع الحياة الحالية فيصاب بالقلق وتتأثر حالته النفسية لأن البرنامج الأساسي في اللاشعور غير مطابق بالشكل المناسب للأحداث الجديدة. وفي مجالات أخرى نرى الجناة والمرضى والمحبطين وغيرهم، في آن نرى المبدعين والقادة والمحققين لطموحاتهم والذي يعتمد عليهم المجتمع في خلق توازنه. ويذهب بعض العلماء إلى وصف اللاشعور كأداة التسجيل التي تم وضع شريط تسجيل به كل تلك المراجع وليس لديه القدرة الا على تشغيل ماتم تسجيله أو البعض من مايتناسب مع الحدث ويصطدم بالادراك والعالم الواقعي الذي قد يشابهه أو يعارضه ويتم التصرف والسلوك حسب التسجيل الأساس. وهنا يأتي دور التخيل الموجه الذي تحدثنا عنه في كتابنا “العلاج بالفن التشكيلي ٢٠٠٨ ص ٢٣٨” حيث أنه هو الوحيد القادر على إعادة صياغة ذلك التسجيل المبكر للاشعور. وأعتبره شخصيا المبرمج الذاتي الذي يستطيع قرصنة اللاشعور وإعادة برمجته حسب ماتريد. وهذا بعيد كل البعد عن مايطلق عليه ب”التنويم المغناطيسي”.
يركز هذا المقال بشكل أساسي على فهم التخيل بوصفه مادة أساسية في الفنون ودوره في الحالة النفسية وكيف لنا أن نستعمله بشكل يعود علينا بالمنفعة في كل جوانب الحياة وخصوصا الحالة النفسية ونستطيع التخلص من الاستسلام لمحتوى اللاشعور السلبي الذي يؤثر وبشكل كبير ومباشر على مجريات حياتنا اليومية من دون أن نعرف السبب وكيف نغير محتوى التسجيل المبكر. وفي هذا الإطار سنتطرق إلى اللاشعور، والإدراك، والتخيل بوصفه المبرمج الأساسي للاشعور وكيف يمكن احداث عملية التغيير في الحالة النفسية.
اللاشعور:
كما ذكرنا سابقا بأنه المحتوى الذي ينظم المشاعر والسلوك. ويقف بشكل غير مباشر وراء المشاعر الصادرة، والسلوكيات اللحظية، وهو المرجع للتفكير وتعاملاتنا مع المدرك الذي نعيشه وينظم طريقة تعاملاتنا مع البيئة المحيطة والناس والتفكير ويرفضه أويقبله حسب ماتم برمجته بداخله من قبل. ويعني ذلك أنه إذا فكر الفرد في موضوع ما وأراد أن ينفذ تلك الفكرة أو يتخذ خطوة إلى الأمام في تحقيق تلك الفكرة فهو الذي يقرر إما أن نقدم عليها وننفذها بنجاح أو يرفضها ولا نستطيع التقدم لو خطوة واحدة لأن ليس لها مرجع يتناسب معها. وهو لا يسمح بتنفيذ أي شيء إلا حسب محتواه في ذلك الوقت. وإذا تعارضت الفكرة مع ذلك المحتوى فلن يسمح بذلك ويبقى الفرد رهينة للاشعور والبرامج المسجلة فيه مسبقا. وإذآ عدنا إلى المثال السابق عندما يستيقظ الفرد صباحا وهو غير متفائل ويرى بأن يومه سيكون صعبا وشاقا وكئيبا بناء على بنية معرفية أو حدثا سلبيا سابقا مماثلا وذو علاقة بمجريات ذلك اليوم فإنه سيجد الوضع غاية في الصعوبة بأن يقول لنفسه بأن ذلك اليوم سيكون يوما جيدا حتى لو فكر بشكل إيجابي طوال اليوم. لن يحدث ذلك ولن يستطيع تغيير مجرى الأمور حتى لو ردد على نفسه كل التوكيدات الايجابيه اللي في العالم في ذلك اليوم. ولذلك لن ينجح التشجيع السطحي كأن نقول كما نحن معتادون عليه “فكها ياشيخ فكر بإيجابية”. وقد يشعر الفرد ببعض الإيجابية لوهلة وجيزة ، ولكن عندما يعود التفكير إلى مجريات الحدث المراد الوصول إليه يختفي الشعور بالتفاؤل ويفشل التشجيع. لماذا؟ لأن اللاشعور لايوجد به ما يتطابق مع تلك التوكيدات الإيجابية في برامجه السابقة مع ذلك الموقف. وإن التفاؤل اللحظي ماهو إلا شعور إيجابي عام غير موجه نحو الحدث. وعلى هذا الأساس يبقى الفرد يدور في دائرة الأسى والتشاؤم طوال الفترة التي يكون فيها الموضوع في مجال الإدراك. ويذهب مجموعة من علماء العصر مثل إيما ينق ٢٠١٨م و زقد ماساك ٢٠٠٥م إلى أن اللاشعور يتحكم بما نسبته ٩٥٪ خمسة وتسعون بالمائة من مانقوم به يوميا. وقد تكون هذه النسبة غير قابلة للتصديق أحيانا ولكن بالنسبة لي “أي نسبة تحت ذلك تؤيد أن لأفعالنا مرجع لاشعوري”.
مسارات الأحداث اللاشعورية في الدماغ
لماذا يتم منع تصحيح السلوك عند الحاجة؟
تحدث الخبرات واستجاباتنا لها لأول مرة فتفتح مسارا عصبيا بكل مكوناته الكيميائية والكهربائية وجميع الوصفات الدماغية المطلوبة في الدماغ ويبقى هذا المسار مفتوحا إذا استمر استعماله بشكل متكرر بعد الحدث من خلال الصور الذهنية والمشاعر العاطفية المصاحبة له ويزداد قوة وثباتا كلما أعدنا شريط ذكرياته حتى يكون مسارا ثابتا يعمل بشكل أوتوماتيكيا (لاشعوريا) يتم الرجوع إليه عند استثارة الحدث وما يشابهه أو أجزاء منه لينتج استجابة مماثلة للحدث الأساس. وهنا يكون لكل نوع أو جزء من التعاملات اليومية مسار نوعي خاص وطريق سريع أوتوماتيكي. وبشكل أكثر دقة مرجعية يتم تعامل الدماغ معها عند حدوثها أو مايشابهها وبشكل سريع يسبق الإدراك. وبهذا يكون التصرف تجاه أي حدث مشابه لاشعوريا أو غير واع. وبمعنى آخر أنه لكل حدث لاشعوري مسار محدد يتم تسجيله في اللاشعوريتحكم في استجاباتنا في التعامل مع مجريات الحياة وبشكل مماثل في كل مرة. ولكل فرد طريقة خاصة به في تكوين المسارات العصبية للخبرات حسب التكوين التراكمي لخبراته السابقة والمسجلة بالأصل في لاشعوره. وعلى هذا الأساس ترى أن كل شخص يختلف عن غيره في الاستجابة الى الأحداث حتى لو أنهم مرو بنفس الخبرة والتعليم والتعلم، وهذا مايسمى به أحيانا (سقف التحمل) في مصطلحاتنا العامة.
لاحظ هنا بأن للتخيل المستمر وإعادة تذكر الحدث الدور الأساسي لتثبيت الحدث وإضافة مشاعر إضافية إليه ليستمر ويكون مصدرا للحالة النفسية لدى الفرد. الجدير بالذكر أن عدم تذكر الحدث وعدم تشغيله مباشرة وبشكل مستمر يؤدي إلى أن يقوم الجهاز العصبي بمحوه وتعطيل فاعليته المستقبلية ولايتم تسجيله في اللاشعور. والعكس كذلك والدليل أن التكرار المستمر لسلوك معين أو عادة معينة يكون تنفيذها في النهاية سهل جدا حتى لو أنها كانت صعبة للغاية. وهنا تجد نجاحات لاعبي الأولمبيات الذين مارسو وتدربوا على تمارين مضنية بشكل منظم ومتكرر ومستمر ومتطور أدت إلى نجاحاتهم. فهل من الممكن أن نحصل على نتائج مماثلة للوصول إلى المستقبل الأفضل إذا ما خططنا ونفذنا خطوات بشكل مستمر ومتكرر ذهنيا وعلى الواقع أن نصل إلى المستقبل الأفضل؟ عش في النهاية عزيزي القارئ.
تابعونا في المقالة القادمة لنتحدث عن التخيل والعملية الإدراكية، وكذلك كيف لنا أن نستعمل التخيل لقرصنة اللاشعور.
وحتى ذلك الحين نستودعكم الله….. د. عوض اليامي
0554735318 واتس
ولذلك فإن ترسيخ منهج الفنون التشكيلية في المدارس منذ الصغر يحفز العقل البشري ويمده بأدوات التخيل ليكون له أثر كبير على أن تكون مخرجات التعليم فيها ثراء من مبدعين في كل التخصصات .. شكرا لكم هذا المنشور المفيد .. وشكرا للدكتور عوض اليامي هذا الطرح النوعي .. ونتطلع إلى الجزء الثاني بشغف المعرفة ..
إعجابإعجاب