الفن والحالة النفسية ٧

قد تجد نفسك يوما ما في موقف لا تحسد عليه بسبب شخص صور له تعاطيه بأنه الأقوى والأفضل والأكثر فاعلية في موقف بسيط لا يحتاج الى هذا كله، فتجده منفعلا بشكل مبالغ فيه تجاه موقف لا يحتاج كل ذلك الانفعال. وفي موقف آخر تجد نفسك أمام شاب يقود سيارته في محطة البنزين يطلب منك (معونة مادية ) لأنه انقطع عنه البنزين في وقت هو يقود تلك السيارة. أو تفيق يوما ما وتجد سيارتك على ٤ بلكات من الطوب لأن شيء ما أو شخص ما احتاج لأن يفك عجلات سيارتك قسرا ليبيعها، أو تلاحظ أحد البيوت المجاورة لك في الحارة تصطف أمامها سيارات فاخرة على غير العادة ويخرج من ذاك البيت الذي قرر صاحبه أن يجعله “أير بي آند بي” أناس بملابس سهرة وأحدهم أو احداهن تتقيأ على عتبة منزلك الساعة ٤ الصبح. وأنت بحسن نية تتصل بالإسعاف لتساعدها فتجد من يأتي بسرعة ويسحبها ويبعدها عن الأنظار قبل وصول سيارة الإسعاف اليها. تلك أحداث قد يكون البعض منها افتراضيا أو هي بالفعل الحقيقة التي نحاول أن نتفادى الحديث عنها لأنها مؤلمة.

يتعاطى بعض الأفراد المواد المدمنة لأسباب عدة منها التجربة أو محاولة الخروج من أزمة ما أو حتى التنمر من قبل شخص على آخر إما في العمل أو من الأصدقاء والجماعة. وهناك أسباب كثيرة لايسعنا الحديث عنها هنا. في الواقع أن جميع تلك الأسباب قد تعود الى غياب الروح المبدعة لدى الفرد وقدرته على التكيف مع الأزمات. وفي كثير من المواقف تجد أن المدمن يلجأ الى تلك الأمور ويكرر استعمالها لتعطيه تلك القوة النفسية الكاذبة بأنه يستطيع السيطرة على أموره. بينما هو في الخارج كارثة حقيقية يحاول الاخرون تجنبه.

يمكّن الابداع الفرد من القدرة على حل مشكلاته ومواجهة أزماته بسلام. و في واقع الأمر أن معظم البشر لديهم القدرة على الابداع ولديهم خبرات رائعة في ذلك إلا أن الثقة في النفس المبدعة تتلاشى مع التكرار المتسارع للأزمات ويفقد الفرد قدرته على تفعيل القدرات الإبداعية لديه. وهنا تبدأ الحياة الصعبة التي قد يصل فيها الفرد الى أولى عتبات الامراض النفسية مثل القلق والخوف وقلة التركيز ثم الاضطراب النفسي وقد يصل البعض الى استعمال المواد والعقاقير المخدرة ذات التأثير النفسي الذي يرى بأنها قد تساعده على التغلب على أزماته ومشكلاته. في الماضي، كان من يفقد الابداع يجد من يذكره به من خلال النصيحة والمجالس الإبداعية. اليوم هناك من يعطيه مادة سريعة المفعول تعطيه شعورا كاذبا بأنه أقوى من الظروف بينما هو قد خلق في ذات الوقت ظرفا أكثر تعقيدا ونتائجه كارثية.

وإذا عدنا الى الابداع، وهنا أنا لا أتحدث فقط عن الابداع الفني فقط. فلكل شخص قالبه الابداعي الذي تمرس عليه ويتقنه. ولحظات الابداع فيه لا يعادلها أي عقار نفسي في العالم. لحظات واقعية مناسبة وغير مبالغ فيها ولا تجعل الفرد غريبا على نفسه والأخرون.

الفن التشكيلي هو حالة إبداعية فريدة. ونتائجها النفسية تراكمية وعالية الجودة. والذي لا يعرفها فهو يحرم نفسه من تفاعلات كيميائية دماغية لا مثيل لها تعمل على التنظيم الانفعالي. وأكثر من يعرفها حق المعرفة هو المعالج بالفن الذي درس الفوائد الاكلينيكية للعمليات والخامات الفنية ويستطيع توظيفها باحترافية عالية للوصول الى الأهداف المرجوة في علاج أي من الاضطرابات التي يعاني منا الفرد. وعلى هذا الأساس سنتطرق الى بعض من الفوائد الاكلينيكية التي يمكن أن نصل اليها من خلال الفن تعالج بعض الصعوبات التي يعاني منها الأشخاص الذين يعانون من مشاكل متعلقة بالإدمان كما يراها المعالجون بالفنون:

صعوبة التعبير والتواصل: يعاني الخاضعون لعلاج الادمان من مشاكل في التعبير عن الحقائق اما بالمبالغة أو الكذب والتعتيم أو مجرد عدم القدرة الكلامية عن الأفكار والمشاعر. وهنا يقوم العمل الفني بجعل القضايا أكثر سهولة للمناقشة من خلال جعلها ملموسة أو رمزية. فلا حاجة للخجل ويسهل التعبير اللفظي عندما يكون الحديث عن الفن وليس عن الشخص نفسه. وهنا تسهل مهمة التعبير. وعن طريق التعبير الفني يصبح العمل الفني أداة فعالة “للتنصت” على المشاعر المعقدة. ويُنظر إليه على أنه يعزز جودة الاتصال ويقلل من الارتباك. وتبعا لذلك يوفر العمل الفني تركيزًا آمنا وغير مهدد حيث يمكن التحدث عن الأشياء والعناصر الموجودة في الفن بدلاً من الاتصال بالأنا بشكل مباشر، حيث تصبح المواد المضغوطة وذات الكثافة الحسية الحساسة أكثر قبولًا للوعي. وفي العلاجات الجماعية فالفن يوفر استعارات رمزية للمشاركين في الجلسة الجماعية.

فقدان السيطرة وتوفير الاحتواء: من الملاحظ بأن المتعاطي والمدمن يعاني من فقدان السيطرة على الأمور ذات الأهمية في حياته. وهنا يجد نفسه عاجزا أمام القدرة على الاستبصار بالأمور وتتفاقم المشاعر المصاحبة لها ويصعب عليه تفنيد الأمور والاستبصار بها ويفقد الشعور بأهميتها وقيمتها واعمال التفكير الإبداعي لحلها لأنه قد فقد منذ فترة طويلة قدرته على الابداع واحتواء مشاعره الغاضبة تجاه نفسه ومن حوله. وهنا يأتي التعامل الفني الذي يعيد للفرد قدراته الإبداعية في قالب بصري خارجي ليستطيع تفحصه والاستبصار بمكوناته وحل اشكالياته. ويعمل المحترف من المعالجين بالفن على مساعدة العميل على ادراك قدراته وامكانياته ومصادره الداخلية التي ساعدته في يوم ما في الماضي على التحكم في الغضب، حل المشكلات، وادراك القيم الذاتية وأهمية من حوله. وكل ذلك من خلال التعبير الفني.

تدني تقدير الذات، وتطوير المصادر، والبناء عليها:  تظهر المفارقات بشكل واضح في تقدير الذات عندما نقارن المتعاطي تحت تأثر  مواد التعاطي وفي حال انتهاء مفعولها. فبينما يشعر بأنه على أفضل حال ولديه قدرات خارقة تحت التأثير وهي كاذبة، مقارنة بما ينتهي به الحال عندما ينتهي مفعول ذلك المخدر حيث يجد نفسه في حال أتعس من التعاسة ذاتها فيبحث عن الجرعة التالية ليعيد ذلك الشعور الذي يراه هو مثالي بينما يفقد في نفس الوقت تقدير الآخرين له ولايبالي. فعندما يصل الى برامج إعادة التأهيل نجده في أدني مستويات التقدير لذاته ومع ذلك يدافع عن نفسه وهو يدرك مدى سوء تقديره لذاته وغير مدرك لقدرة المختصين على مساعدته على إعادة ذلك له. ويأتي الفن التشكيلي هنا ليساهم في إعادة تقدير الذات عندما يكشف الفن عن نقاط القوة لديه وحصر إمكاناته الواقعية والتي لاتزال ممكنة. وكذلك عندما يتكشف الفرد اساليبه الخاصة في صنع النجاحات وتكشف الدعم الأسري له ليعود اليهم فاعلا كما عهدوه من قبل. يتكشف الفرد من خلال الممارسات الفنية الهادفة كيف له أن يبحث في تاريخ أفضل آماله ويستحضر قواه الشخصية التي كان يوما ما يتمتع بها ليصل الى المتعة الحقيقية مع أفراد أسرته ومجتمعه. ومن خلال الفن يتكشف قواه العقلية الخاصة التي اهملها ليصل الى ماهو أفضل من عقاقيره الادمانية. وكل ذلك قد يعيد له ثقته بنفسه وتقديره لذاته.

العزلة:  هي من النتائج الجبرية للتعاطي حيث يعتزل المتعاطي مجتمعه الذي ترعرع فيه وحتى أسرته. فهو في عالم كله يتمركز حول التعاطي وذلك الشعور الذي يمنحه له هذا السلوك. فالبعض ينعزل عن أسرته ويختلق الأعذار بأنه مشغول في خدمتهم خارج المنزل أو “في الاستراحة” بينما هو مع جماعة التعاطي متخليا بالتدريج عن مسؤولياته العائلية. والبعض يعتزل مجتمعه الأساسي لأنه لم يعد يتساوى معهم في العادات ولا في الطموحات التي تطور مجتمعهم. هو الآن يهتم فقط بالحصول على الجرعة التالية، من أين وكيف سيحصل عليها؟ ولكنه عندما يخضع الى التأهيل فهو يحاول إيجاد الأعذار لنفسه مع شعوره الداخلي والعميق بعزلته ووحدته الشخصية والاجتماعية. وهنا هو بحاجة للعودة الى اجتماعياته واندماجه مع اسرته ومجتمعه. وهنا يأتي دور العلاج بالفن الذي من خلال الممارسات التشكيلية الاجتماعية والأسرية يعيد الفرد ارتباطاته السابقة ويقوي من مهاراته الأسرية والاجتماعية للوصول الى تخطي مرحلة العزلة.

هذا ما يمكن تقديمه في هذه العجالة عن دور العلاج بالفن في إعادة تأهيل المدمنين. ونأمل من قراء مدونتنا التفاعل ومناقشة هذا الموضوع المهم الذي يوضح التعبير البصري ودوره في إعادة الفرد الى الابداع مرة أخرى بدلا من الاستسلام للتأثيرات المتنوعة لمواد الإدمان.

نُشر بواسطة Dr. Awad Alyami

مستشار العلاج بالفن التشكيلي

أضف تعليق