الفن والحالة النفسية ٨ Art and The State of Mind

قرصنة اللاشعور بالفن التشكيلي

Hacking the unconscious mind through art

لقد مضت فترة ليست بالقصيرة على نشر التخيل ١ في هذه المدونة. والسبب هو البحث والتجريب في وسرد الأدلة من الواقع. فالنبدأ بعون الله.

ذكرنا سابقا بأن اللاشعور يحتوي على تسجيل لأحداث سابقة يتم تشغيلها عندما تتطابق مع مجريات الحياة. وعندما يكون الحدث مؤلما أو مكلفا نفسيا واجتماعيا وأسريا أو قد يسبب اضطرابا نفسيا أوحياتيا معينا تحدث الخسارة الحقيقية في حياة الفرد. فكيف لنا ان نتمكن من تعديل محتوى اللاشعور؟ كيف لنا إن صح التعبير قرصنة برامج اللاشعور وتعديلها؟

هناك عدة طرق تم تجربتها وأثبتت نجاحاتها بدرجات مختلفة نعرض منها اليوم ما يكفي لهذه المقالة.

  1. التخيل والتعديل الانفعالي: عن طريق التخيل تحدث المعجزات. والدليل هو أن كل ماتراه من حولك من إنجازات ملموسة في الحياة كان أساسها التخيل قبل أن تكون حدثا واقعيا ملموسا. فعندما يجد الفرد نفسه بأنه غير قادر على الاستجابة الإيجابية المناسبة للحدث فإن استجابته نابعة من توجيهات اللاشعور. كالفرد الذي لايستطيع الخروج من المنزل وتم تشخيصه بالسوشل فوبيا. فإنه في الحقيقة تحت سيطرة محتوى اللاشعور، وأنه في يوم ما كانت هناك حاجة له لأن ينعزل عن العالم لفترة معينة ليتفادى ألم ما في الخارج. وتم التركيز على تفاصيل أحداث ذلك الحدث وبنيت له مسارات عصبية قوية يمكن أن تنشط، حتى بعد زمن طويل، لتؤدي عملها وهو حماية هذا الشخص من الألم الممكن حدوثه. الجدير بالذكر أن ذلك يمكن أن ينطبق على حالات كثيرة غير السوشل فوبيا مثل الفشل المستمر، الخوف بأنواعه، الفقر، والعنف وأمور كثيرة لا تحصى. ابحث عن المواقف التي كان الانعزال عن الاستمرار المؤقت في الحياة كان مهما ومثيرا وانفعالاته كثيرة وكثيفة.

دعنا نفترض بأن الشخص المذكور في الفقرة السابقة يعاني من مشاعر فياضة تمنعه من الخروج عندما ينوي الذهاب خارج المنزل لهدف ما. انه يستجيب الى مشاعر منبعها غير معروف لديه ولا يجد تفسيرا لهذا المنع الذاتي من الخروج من المنزل. البعض يقول “والله فلان مسحور مسكين” أو ان “امه داعيه عليه” على سبيل المثال. والبعض يدرك أنها حالة نفسية، ولكن لايجد لها تفسيرا مقنعا. في الحقيقة، هي حالة نفسية وأمه لم تدعوا عليه كما ذكرنا لأن أمهاتنا وآباؤنا حريصون أن لا يمسنا ضرر مهما اعتقدنا. والكثير يبحث عن الأسباب، حتى بعض الاتجاهات العلاجية النفسية ولهم الحق في ذلك حسب ما تم تدريبهم عليه. ولكن هل فكرت يوما فيما حدث لهذا الشخص عندما تعرض لحدث منعه من الخروج من المنزل، أو طرد من المشاركة في فعالية اجتماعية، أو سجن، أو تنمر عليه زملائه في المدرسة أو،،، أو،،،. ابحث عن تاريخ الحالة النفسية التي أدت الى الانعزال في فترة معينة. واعرف كيف تم التعامل معها وكيف تعامل هذا الشخص معها انفعاليا وماهي المشاعر التي كانت حاضرة آنذاك وكمية التركيز عليها وإعادة تذكرها والشكوى والتذمر منها للقاصي والداني وكيف كانت ذات أهمية بالغة لديه. وعندما تصل الى الانفعالات والمشاعر المصاحبة لذلك الحدث القديم فـأنت الآن في طريقك لقرصنة اللاشعور باحتراف. التخيل هو احدى الركائز الأساسية في الابتكار وهي من أسس الفن التشكيلي التي بدونها يعتبرها الفنانون فنا ضعيفا جدا. دعنا نرى كيف لهذه الخاصية أن تكون وسيلة للتخلص من المشكلة.

عند الوصول الى المشاعر الفياضة التي تم بناؤها عند حدوث ذلك الحدث نقوم بمقارنتها مع المشكلة الحالية. حتما سنجد نمطا متكررا للمشاعر الفياضة المصاحبة للحدث الأول. هنا من الممكن استعمال احدى الطرق البسيطة والتي من الممكن ان يقوم بها أي فرد قادر على التخيل. وهي أن نبحث عن مكان هادئ وبعيد عن المثيرات الصوتية والبصرية كغرفة النوم مثلا أو أي مكان له نفس الخصائص. نقوم بالاسترخاء العضلي وهو طريقة معروفة لدى معظم الناس ومن الممكن البحث عنها في الانترنت واستعمالها. وعندما نكون في حالة استرخاء نقوم بالتخيل بأننا نهدف الى التخلص من آثار الماضي. ونقوم بتصور أفضل الحالات التي مررنا بها في الحياة وهنا يظهر في العادة تصورا للشخص وهو قادرا على الإنجاز ويظهر بأحسن ملامحه وامكاناته. عندما نصل الى ذلك نذكر بصمت بأننا الآن في زمن وحال ليس زمن وحال الماضي بل نحن قد كبرنا وتطور نمونا وتحسن في جميع النواحي ولم نعد بحاجة الى استراتيجيات التكيف مع المخاوف السابقة. نحن الآن لنا شخصياتنا الجديدة الحديثة ذات الخواص المناسبة لعمرنا وعصرنا وحالنا الجديد الجميل الفعال والمناسب لنا شخصيا. ولهذا فنحن الآن نتخلى عن الاستراتيجيات القديمة ونتبنى استراتيجيات حديثة لها فاعليتها المناسبة للأحداث الحديثة ذات الطابع الإيجابي والداعم للمستقبل والأمل، ونقبل هذا التغيير ونشكر الله عليه. يجب أن تكون الصور هنا ذات طابع انفعالي متحرك وقوي بحيث يطغى على المشاعر السلبية المؤلمة القديمة. ربما تجد معارضة شديدة من التسجيل اللاشعوري القديم والواقع الحالي المؤلم ويأتي على شكل انتقادات وتقليل من أهمية التغيير، وأمور كلها تنافي امكاناتك الحقيقية وقد تصدقها. ولكن لا تدع لها فرصة للتغلب عليك. ولها أن تتغير مع التكرار كما تم تكرار المشاعر السلبية في الأحداث السلبية السابقة. يجب أن تكرر التخيل عدة مرات لأيام عديدة حتى يتم إعادة برمجة اللاشعور وترى شواهد مادية في حياتك تشير الى أن ما تخيلته أصبح واقعا لا شك فيه. فخيالك قادرا على الابتكار وما يستطيع جسمك فعله هو فقط أن يتبع لتخيلاتك. واضافة الى ذلك ستجد أن لديك الرغبة في اخذ بعض المبادرات. ثق بنفسك وبادر. ستجد بأن صوتك الداخلي يشير اليك بعمل شيء ما محدد ، نفذ بدون تردد مادام الوضع لايؤذي أحد، ستجد أنك بدأت تفكر بطريقة مختلفة ومبروك عليك نجاح عملية القرصة الداخلية.

تحذير مهم: يجب استشارة الطبيب عند محاولة تنفيذ الاستراتيجيات نفسية أو طبية واردة في هذه التدوينة. الموقع والكاتب ليسوا مسؤولون عن أي نتائج سلبية بسبب سوء الاستعمال. يجب الحصول على تدريب مهني للحصول على نتائج مرضية

  • التعبير الحر والعلاج بالفن المتمركز حول الحل:

عندما بحثنا في الأمر وجدنا أنه عندما يأتي العميل ليعبر عن نفسه فنيا (التعبير الحر بالخامة المناسبة، وليس الرسم التشكيلي الحر) فإنه يستعيد بعض تلك الانفعالات الغير مريحة والمثيرة للقلق. ولكن بعد قليل تبدأ الانفعالات بالتغير (المؤقت) والتي يراها غير الخبير في العلاج بالفن نجاحا باهرا. ولكنها في الحقيقة تحسن مؤقت يزول عدما تنتهي الجلسة بساعات قليلة ليعود اليك محبطا مرة أخرى شاكيا من العزلة والألم مرة أخرى. لماذا؟ في الحقيقة أن للتعبير الفني خاصية اللعب واللعب يجلب السعادة وله مسارات عصبية قوية ثبتت أقدامها في تكوينه النفسي منذ الصغر. ولكنها هنا ليست موجهة نحو حل إشكالية العزلة والخوف من المجتمع. وعلى هذا الأساس لم تنجح ولن تنجح ويكون لها التأثير الإيجابي طويل المدى. وكخبراء في العلاج بالفن يمكن أن نتعامل مع المشكلة من عدة زوايا كالتالي:

  •  أهمها في الأساس الوصول الى (ماذا يريد العميل أن يصل اليه لو أمكنه التخلص من المخاوف الاجتماعية). قد يأتي الجواب بأنه سوف يكون حرا طليقا قادرا على أن يتقدم في العمل، في الدراسة، في الحياة بشكل عام. أهم نقطة هنا هي أن يتم الوصول الى الغاية (الحرية والانطلاقة) وليس الهدف الذي هو: (التقدم في العمل،،، أو،،، أو،،)، وهنا يأتي العمل الفني جميلا ومفعما بالانفعالات الإيجابية والابداع الفني.
  • بعد ذلك يمكن أن نتجه الى مصادره الذاتية لدعمه داخليا وأنه قادرا على احداث التغير مدعما بأدلته الشخصية في أنه عندما كان سعيدا كان حرا طليقا متقدما في عمله في السابق. ماهي مصادر القوة والدعم والثقة بالذات والحماس والتشجيع وغيرها مما يذكره؟ الجدير بالذكر أن المختص ليس له الحق في اقتراح المصادر ولا حتى مساعدة العميل على استخراجها على شكل تنويهات (كما يتم في المناهج العلاجية الأخرى). ودوره هو أن يساعده في الوصول اليها معتمدا على خبرته (العميل) الشخصية بشكل كامل. لماذا؟ لأن مايمكن أن يقترحه المختص ليس له محتوى أو خبرة لدى العميل فيعتبر شيء غريب على العميل ولم يسبق للاشعور تسجيله بانفعالات مناسبة، فيفشل في استعمال هذه المصادر، أو أنها تنجح في حال قام العميل بتجربتها وخلق مسارات عصبية جديدة لها. وهذا له أن يأخذ وقتا طويلا جدا للوصول اليه وقد يكون الأمر متأخرا جدا لإحداث التغيير المطلوب. يجب أن تكون المصادر ذاتية وشخصية لدى العميل تم له استعمالها بمشاعر مناسبة في السابق حتى لو أنه تم استعمالها في مواقف مختلفة عن الحدث الذي نحن بصدد إيجاد الحلول المناسبة له.
  • وهناك خطوات تابعة لهذا الاتجاه بالفن التشكيلي نذكر منها تخيل المستقبل الأفضل، وتاريخ النتائج، والتقييم المستمر لدعم التقدم في النجاحات نحو الغاية، ويطلق عليها أقطاب النموذج الماسي في العلاج المتمركز حول الحل.  

تحذير مهم: يجب استشارة الطبيب عند محاولة تنفيذ الاستراتيجيات نفسية أو طبية واردة في هذه التدوينة. الموقع والكاتب ليسوا مسؤولون عن أي نتائج سلبية بسبب سوء الاستعمال. . يجب الحصول على تدريب مهني للحصول على نتائج مرضية.

نأمل الاشتراك في الموقع والاعجاب ليصل لشخص آخر قد يستفيد منه وكذلك اعد ارساله لمن تراه قد ينتفع بما فيه

نُشر بواسطة Dr. Awad Alyami

مستشار العلاج بالفن التشكيلي

أضف تعليق