الفن والحالة النفسية (٢)

قوة العلاج بالفن والمراهقين

. تكشف الذات . مهارات تكيف  . تعبير آمن   . مهارات حل المشكلات  . خلق التوازن النفسي   

. تعلم التفكير الإبداعي البناء.  . عمليات التحويل والتحويل المعاكس

نحن في مجتمع يمثل فيه الأطفال والشباب أكثر من ثلثي المجتمع السعودي حسب إحصائيات عام ٢٠٢٠م. ويكّون المراهقون منهم نسبة كبيرة لو افترضنا أن سن المراهقة تبدأ من العمر ١٥-١٩ حسب تقرير الهيئة العامة للإحصاء ٢٠٢٠م. وهذه الفئة لاتزال طور النمو. ويعني ذلك أن المستقبل يعتمد عليهم بشكل كبير. وهم في طور الاستعداد لمستقبل أفضل بإذن الله في ظل الخطط التنموية لهذا البلد المعطاء ويعتبرون ثروة وطنية أكّدت عليها رؤية المملكة لعام ٢٠٣٠؛ حيث أكّد صاحب السمو ولي العهد حفظه الله؛ إذ قال “شبابنا واعٍ وقوي ومثقف ومبدع لديه قيم عالية”. وبناء على ذلك توجب الاهتمام بهم وخصوصا الاهتمام بصحتهم العقلية والنفسية الإبداعية. ونحن بدورنا في العلاج بالفن التشكيلي الذي هو في الأساس مجال من مجالات الإبداع في التعبير عن الذات، نوليه اهتماما خاصا؛ إذ نوفر لهم قالب تعبيري آمن لكل ما يختلج في نفوسهم ويعكّر صفو أذهانهم ويعيق تطورهم لتحقيق مستقبل أفضل لهم ولمجتمع سوف يكون معتمدا عليهم تماما في القريب العاجل وفي سنوات قريبة جدا.

في العادة يحضر المراهقون للعلاج بالفن عندما يلاحظ أولياء أمورهم مشكلة ما. وفي الكثير من الحالات عندما يكون الشاب أو الشابة في مرحلة من الألم المنعكس على سلوكه الذي جذب انتباه الأب أو الأم ويحتاج حلا. وكما هي العادة يذهبون إلى الطبيب النفسي الذي من صميم واجبه تشخيص الحالة ووصف العلاجات المناسبة. ومن ضمن العلاجات المناسبة للمراهقين (العلاج بالفن التشكيلي) الذي نتوقع أن يتفهمه معظم الأطباء النفسيون المعاصرون . للأسف الشديد أن معظم الحالات تأتي بعد تردد كبير فيما يمكن للفن التشكيلي أن يقدمه. وعلى حد قول أحد أولياء الأمور لي “هو طول عمره يشخبط. ما فادته هالشخبطة….” ومع ذلك استفاد الكثير من زياراتهم لعيادة العلاج بالفن التشكيلي.

لقد شهدنا ولانزال نلاحظ جميعاً كيف يستمتع الأطفال بالرسم والتلوين والبناء التشكيلي للتعبير عن أنفسهم وماحولهم. وبينما هم ينتقلون من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة يستمر الفن في دعمهم والتنفيس عنهم، ويبدأ بأن يكون له دورا نفسيا في التكيّف والتأقلم مع تلك العاصفة الداخلية التي تحدث بداخلهم من تغييرات في التفكير والأحاسيس والمشاعر وكذلك التغيير البدني. ومن ما لاحظناه في تلك المرحلة من العمر أن معظم الشباب الصغار يبنون علاقة خاصة مع الفنون ولكن بطريقتهم الخاصة التي توفر لهم الخصوصية وتسهم في تكيفهم. فعلى سبيل المثال يتبنى معظم الشباب الصغار رمزا فنيا خاصا بهم يستمر معهم مدى الحياة. أسمي هذا الرمز ب (الرمز الفني التكيُّفي)؛ حيث يقوم هذا العنصر بإخراج الشاب من الحالة الضاغطة وينقله إلى عالم خاص به بعيداً عن مصادر الضغط الحالي. فالبعض منهم يبدأ بتبني شكلاً فنّياً يقوم برسمه عندما لايكون متوافقا مع مايحدث من حوله مثل عدم رغبته في سماع المعلم أو يتعرض لضغط ما في حين يكون لديه قلم وورقة يستطيع الشخبطة عليها، والبعض منا يستطيع تتبع ذلك إذا كان يحتفظ بكراساته القديمة وسيتفاجأ بما كان يرسمه على هوامش الصفحات. إختبر شخابيطك التي تسجلها على الورقة المجاورة لك عندما تكون على الهاتف وفي الجانب الآخر من المكالمة شخص يتسبب لك بنوع من الضغط أو أن المحادثة محملة بالمشاعر أو التفكير المكثف الذي يتطلب عزلك تماما عن مثيرات البيئة المحيطة بك. تجد أنك قد رسمت ذلك الشكل الذي رسمته لأول مرة عندما كنت شابا صغيرا في بداية مرحلة المراهقة، واستمر معك حتى الآن يكيفك مع تلك المحادثة ويدعم توازنك النفسي.

وفي مرسم العيادة يتوفر للشباب/الشابة كل أنواع الخامات الفنية من أقلام الرصاص إلى الصلصال والقماش الى البخاخات الملونة وغيرها. يجد الشاب نفسه في عالم ملئ بالألوان مما ينقله منذ اللحظة الأولى إلى عالم الإبداع والخيال والمتعة ويأخذه بعيدا من أحزانه ومخاوفه. يعيده إلى طفولة بريئة مليئة بالخيال. يستطيع هنا التعبير بحرية ليستعمل الرموز الشكلية ليبحث في مشاعره ويتكشف ذاته ومعوقات نموه ويقفز إلى التفكير الإبداعي ليرسم أحاسيسه ومشاعره وحتى انتماءاته الفكرية والجماعية. ويقف بجواره المختص الذي يعرف بأنه في خدمة هذا الشاب ليتشارك معه ذلك التعبير ويندمج معه في ذلك ليفهم تعبيراته، ومن ثم يأخذ بيده ليصل إلى السعادة واختيار الطرق الأفضل للوصول به إلى مستقبله الأفضل . إن دور المعالج بالفن هو دور داعم، مستمع، ناقد وموجِّه في التعبير الذاتي والتعبير الفني في آن واحد. يسمح للشاب بأن يسأل ويناقش ويعبّر عن مشاعره دون تحيز ولا نقد جارح في جو فني و إكلينيكي متحكم به. يساعده على تكشف معوقاته، ومخاوفه، وطموحاته عن طريق سؤاله عن رموزه وسلوكياته وأفكاره مبتعدا عن التحليل للرموز وتحميلها أكثر مما تحتويه. يسأله عن معاني رسوماته الصادرة من خبراته وعلاقاتها النفسية والاجتماعية والفكرية وليست من خبرات المعالج ولا حتى الخبرات المتراكمة لمجتمع ناضج لم يحصل لذلك الشاب الوصول إلى فهم لها بعد.

إنه بهذا يكوّن بنية معرفية إيجابية. وفي هذه البنية المعرفية يكوِّن الشاب الصغير لنفسه مرجعا ناجحا في التعامل مع ضغوطاته بشكل واقعي ملموس . والمحظوظ منهم من يجد من يساعده ليكثِّف له تلك الخبرات والبُنى المعرفية الإيجابية ليستند إليها في المستقبل ليتكيف مع ضغوط الحياة اليومية. إن التعاملات السلوكية والمعرفية والحس-حركية التي يمر بها الشاب هي خبرات يحتفظ بعملياتها ونتائجها الدماغ ليستند عليها عندما يواجهها أو أمثالها في المستقبل. وبحكم أن الخبرات التشكيلية هي خبرات معرفية، سلوكية وحس-حركية ملموسة ناجحة فإن الدماغ سوف يستعملها ليصحح مسار الخبرات الخاطئة مستقبليا. ولتفصيل علاجي أكبر دعنا نتجه إلى العلاج بالفن المتمركز حول الحل. وفي هذا الاتجاه نرى أنه عندما يصادف الشخص إشكالية ما، لنفترض أنها عدم القدرة على حل مشكلة زوجية نجد أنه ينسى خبراته السابقة في محاولاته الإيجابية الأولى للتعامل مع الحياة الزوجية عندما كان يتمتع بحياة زوجية رائعة. عندما كان يبذل الغالي والنفيس لإرضاء الطرف الآخر. ولكن مع مرور الزمن وازدياد تعقيدات الحياة، ومنها الزوجية، يغيب عن وعيه تلك الخبرات الجميلة الناجحة وتكبر الحكاية أكثر وأكثر عندما يجد نصفه الآخر يزيد عليه الضغط في العلاقة الزوجية. يقوم العلاج بالفن المتمركز حول الحل بمساعدة الفرد على تذكر النجاحات القديمة في العلاقة الزوجية عن طريق التعبير البصري (الفن التشكيلي) لتلك الخبرات الزوجية الناجحة مسبقا ليستعملها مجددا ليصل إلى حلول واقعية للعلاقة الزوجية الحالية المضطربة وتنجح العلاقة مرة أخرى . هنا نتساءل: ما لذي أدى بهذه الطريقة إلى النجاح؟ في الحقيقة أن الرسم أو التعبير الفني يندمج مع خبرات التفكير التجريدي الذي يقوم بها الشخص عندما يعبّر عن خبراته السابقة بصمت من خلال التعبير الشكلي غير اللفظي الذي يستثير الانفعالات السلبية الناتجة عن عمليات المقاومة الداخلية المتجهة في طريق مستمر مع انفعالات الغضب أو الإنتقام أو العجز أو أي تفكير هدّام للعلاقة الزوجية القائم والنشط في ذلك الوقت. فيقوم التغيير في عملية التفكير (أثناء التشكيل الفني) إلى تحييد التفكير الحالي وإعادته للخبرات التشكيلية السابقة المرتبطة بالسعادة والنجاح والبنى المعرفية الجميلة التي حدثت في الماضي. وهنا يجد الفرد نفسه في الإتجاه المعاكس لمشاعر المشكلة الحالية ويشعر بالإيجابية بدلا من السلبية التي تبحث عن إنهاء العلاقة الزوجية أو الإنتقام من النصف الآخر أو أي نوع من التفكير السلبي المسيطر عليه قبل التعبير الفني. هنا نجد أن الخبرات التشكيلية الناجحة التي أسست بنى معرفية إيجابية في مرحلة عمرية معينة قد تم استحضارها وتم ربطها بمشاعرها الإيجابية الناتجة عن التشكيل الفني الحالي المرتبط بالخبرات الزوجية الناجحة لتصحح مسار التفكير الحالي ليصل الشخص إلى تفكير وانفعال إيجابي يسمح له بالسلوك الإيجابي تجاه نصفه الآخر في الوقت الحاضر. وعلى هذا الأساس أجد أن الخبرات التشكيلية الناجحة (البنى المعرفية الناجحة) في حياة الفرد أثناء مرحلتي الطفولة والمراهقة تأتي مرة أخرى وتكون مرجعا معرفيا سلوكيا يساهم في تعديل التفكير ليصدر سلوكا إيجابيا يحل مشكلة زوجية.

  • ماذا يستفيد المراهق من العلاج بالفن التشكيلي؟
  • تكشف الذات… هنا يجد المراهق فرصة للغوص في أعماقه عن طريق التفاعل مع الخامة الفنية متعرفا على قدراته العقلية، ومشاعره الداخلية وسلوكياته المنعكسة في ذلك التفاعل الإبداعي. وهنا بقيادة المختص المدرك لتلك الأفكار والمشاعر والأحاسيس، العارف بإمكانيات تلك الخامات بالوقوف مع ذلك الشاب وتفحص تعبيراته وسلوكياته ليتم النقاش حول ما تم ملاحظته من خلال عناصر العمل الفني ليكشف عن حقيقة ذاته. ويتعلم من هو بشكل واعي ليوظف إمكاناته وقدراته نحو مستقبل أفضل واع.
  • مهارات تكيف... من خلال الفن والممارسة الفنية، ومن خلال العملية التشكيلية يمكن للشاب التعرف على أسلوبه الخاص في كيفية التكيف مع مجريات الحياة. نعم من خلال الممارسة التشكيلية؛ حيث أن الممارسات السلوكية التي تحدث أثناء تنفيذ العمل الفني تعكس وبشكل دقيق ومثالي طريقة التعامل مع الأمور سلوكيا وانفعاليا وعاطفيا كما تحدث في أرض الواقع والتعاملات اليومية. فمثلا الرسم المائي بالفرشة والألوان المائية على ورق تلوين مائي مبلل ممكن أن يكشف طريقة تعامل الفرد مع مفاجئات تلك العملية، وكيف يتعامل معها والحديث الداخلي المصاحب لها، والكلمات الصادرة عنها وطرق التكيف مع تلك المهارة وكيفية حل مشكلات الخامة المائعة التي تحتاج إلى سرعة في الاستجابة لها والسيطرة عليها للوصول إلى نتيجة مقبولة. ومن خلال ملاحظة التعابير اللفظية المصاحبة للعملية التشكيلية سيتعرف المعالج بالفن على طريقة تكيف الشاب مع ما تسببه الضغوط البسيطة من نتيجة لمفاجئات العملية الفنية يصل إلى علامات واضحة لطرق تكيف الشاب ويقارنها بطرق التكيف مع الضغوط اليومية التي يمر بها ذلك الشاب وتتضح لكليهما ما إذا كانت تلك التصرفات وأساليب التكيف واقعية، إيجابية، مناسبة، أو إنها بحاجة إلى تعديل وإصلاح. وهناك أمثلة كثيرة لا تساعد مساحة النص هنا للتعمق فيها.
  • تعبير آمن… جميعنا نعرف بأن الفن التشكيلي وسيلة للتعبير. وهو في نفس الوقت تعبيرا آمنا لما يشعر به الفرد. وهو قالب تنفيذي آمن يختلف عن القوالب الأخرى للمشاعر ويختلف عن التعبير اللفظي أو حتى الحركي. ففي التعبير اللفظي قد يؤدي به إلى الاصطدام مع الآخرين ويخلق مشكلة أخرى هو ليس بحاجة لها. ولكن عندما يفعّل الشاب تعبيراته الفنية في قالب تشكيلي فهو يبتعد تماما عن المصادمات مع الآخرين ولا يكون هناك رد فعل سلبي من أحد. فهو هنا يتعامل فقط مع خامة تشكيلية ليس لها رأي وليس لها القدرة على التفاعل البدني ولا اللفظي. إنها آمنة وخاصة بهذا الشاب وحده. وتتحمل مالا يستطيع البشر تحمله من مشاعر وأحاسيس وسلوكيات . وقد نذهب للقول بأن القالب التعبيري الفني أكثر أمنا حتى من وسائل التواصل الاجتماعي التي في كثير من الأحيان تؤدي بصاحبها إلى الهلاك . فهو في القالب التشكيلي يمكن له أن يعبّر عن رأيه المخالف والناقد وحتى المشين بينما لو عبّر عن تلك الأمور في أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي قدي يؤدي به الأمر إلى إزعاج الآخرين وفي بعض الحالات إلى قضايا قضائية وحتي السجن لفترة طويلة في بعض الحالات التي أعرفها شخصيا. فعلى سبيل المثال رأينا كيف تعاطف الشباب مع بعض الحركات السياسية في فترة من الفترات في إطار نمو المجتمع . وكانت تعبيراتهم آنذاك خاطئة وخطيرة وهدّامة وأدت بالبعض منهم إلى أن يقضي عقوبات سجن طويلة. فلو أن أولئك الشباب قد وجدوا فرصة للتعبير عن تعاطفهم ومشاعرهم بطرق آمنة مثل التعبير التشكيلي لما خسروا سنين طويلة في السجن ولم تؤدي تعبيراتهم للهدم والإيذاء للاخرين من مجتمعاتهم الآمنة.
  • مهارات حل المشكلات. ومن خلال الممارسات التشكيلية يكتسب الفرد مهارات في حل المشكلات . وهنا يجب التنويه إلى الفرق بين حل المشكلات المتبع في التربية الفنية وحل المشكلات في العلاج بالفن؛ حيث أن حل المشكلات في التربية الفنية يتبع أساليب تعليم المهارات الفنية ومايتخللها من حل المشكلات في التصميم الفني وعمليات التنظيم المتبعة لإخراج تصميم فني مناسب ترتاح له العينان ومقبول لدى المجتمع الفني (المنعزل تماما عن الممارسات اليومية) ولكنه مفيد إلى حدٍ ما. ولكن حل المشكلات في العلاج بالفن التشكيلي يختلف تماما وله خصوصيته وتقنياته المميزة . وهي الغوص في التعبير الفني عبر الخامات الفنية المناسبة للوصول بالفرد إلى فترة من حياته استطاع فيها حل مشكلة بحد ذاتها، واستخلاص طرقه الفريدة في حل تلك المشكلات وتوظيفها في حل المشكلات الحالية. فعلى سبيل المثال يأتي شاب صغير يعاني من التأتأة على سبيل لمثال(وهذه مشكلة منتشرة في مرحلة المراهقة) حيث الضغوط الاجتماعية كبيرة من قبل الأقران والأصدقاء. هنا يقوم المختص في العلاج بالفن التشكيلي بمساعدة الشاب على العودة إلى أولى محاولاته الناجحة في السيطرة على المشكلة في بداية حدوثها واستيعاب طريقة حل المشكلة ولو بشكل طفيف، والتركيز عليها وتكرارها والعمل على انجاحها بعد تفريغ الأحاسيس البدنية والمشاعر المصاحبة لها في قالب تعبيري تشكيلي آمن ليخرج الشاب سعيد بما توصل إليه من الجلسة العلاجية لحل مشكلة التأتأة لديه. وهذه العملية ليست بالسهلة ولايستطيع أي فرد أو مختص اتباعها إلا إذا كان متدرب عليها بشكل مهني في العلاج بالفن المتمركز حول الحل . ولا نغفل المشكلات العاطفية التي يمر بها الشباب من الجنسين وكيف تسيطر على تفكيرهم ومشاعرهم وكيف يسمحون لأنفسهم بالغوص العميق في مآسي مشكلاتهم العاطفية وصداقاتهم الخاصة. يجب أن ندرك أن الشباب يعيشون في عالم أحلام وردية مفعمة بالعواطف الجيّاشة التي تسيطر على أفكارهم وأحاسيسهم ومشاعرهم . فهي بمثابة الغذاء الروحي لهم وهي ما يدفعهم للنمو والمضي قدما. فإذا لم نقدّر ذلك فقد نكون مساهمين في معاناتهم . يقدّم الفن التشكيلي وعاء عاطفي كبير يحتوي تلك المشاعر ويجسدها لينظر إليها الشاب ويتفحصها ويبحث من خلالها عن حلول لتلك المشاعر والصداقات والعلاقات الخاصة جدا. وفي عيادة العلاج بالفن التشكيلي يجد الشاب فرص متعددة للتعبير والتوجيه من المختص ويساعده على تلمس الجوانب الصحيحة لتكشف أسباب تلك المعاناة وتوجيه الشاب إلى مايمكن أن يكون صالح له ومن وجهة نظره هو وليس من وجهة نظر المختص ومن خلال الثقافة الاجتماعية والدينية والصحية والأسرية.
  • خلق التوازن النفسي . إن الوصول إلى التوازن النفسي هو من متطلبات الحياة في أي عمر ولكلا الجنسين . ويحتاج الشباب الصغار التوازن النفسي بشكل مستمر حتى تكون حياتهم مثمرة أكثر ومستعدون لمستقبل يسعون فيه ليكون دائما أفضل . وبما أن حياة الشباب في تقلب دائم في هذه المرحلة العمرية التي يسودها الانفعالية والاندفاع، نجد أن الممارسات التشكيلية لو تمت بطريقة صحيحة سيتم الوصول إلى ذلك التوازن النفسي المطلوب . إذن كيف يتم الوصول إلى التوازن النفسي من خلال الممارسات التشكيلية؟ إن الجواب على هذا السؤال ليس بالسهل وليس كل معالج نفسي قادر على الوصول إليه بطريقة سهلة. ولكن سأفصح عن هذا السر بشكل يعطي المختصين الفرصة للاعتماد على خبراتهم للوصول إليه. للخامات التشكيلية إمكانات معينة تم الوصول إليها عبر خبرات الباحثين في السلوكيات التشكيلية في سبعينيات القرن الماضي . ولم تلقى الاهتمام المناسب حتى السنوات الخمس الأخيرة من وقتنا الحالي . حيث توصل الممارسون في العلاج بالفن التشكيلي ومن خلال بحوثهم التطبيقية في الممارسات التشكيلية، أكدوا ماتوصل إليه باحثي القرن الماضي من علاقات مباشرة للممارسات التشكيلية مع العمليات العقلية والعمليات الانفعالية. وقد توصلوا إلى أن العمل بالخامات السائلة والمائعة لديها الامكانية لاستثارة الانفعالات ولكنها في ذات الوقت تعمل على النواحي المعرفية بطريق غير مباشر والعكس صحيح . وعندما يدرك المعالج بالفن التشكيلي قدرة كل خامة تشكيلية ونطاقاتها الواسعة في الاستعمالات مع خصائص الشخصية وربطها بطرق خاصة بكل فرد يستطيع في وقتها وصف خطة علاجية بالفن التشكيلي للوصول إلى التوازن النفسي المطلوب لكل عميل يطلب مساعدته في ذلك . ولكن في الحالات اليومية والمعتادة يستطيع الشاب الوصول إلى نوع من التوازن النفسي بشكل بسيط من خلال الممارسات التشكيلية المعتادة معتمدين على مفهوم أن الخامات السائلة والمائعة تعمل بشكل غير مباشر على النواحي المعرفية بينما تعمل بشكل مباشر على النواحي الانفعالية والعكس صحيح.
  • تعلم التفكير الإبداعي البناء: جميعنا يعرف مدى أهمية التفكير الإبداعي ومدى حاجتنا في هذه الحقبة من الزمن إلى ذلك النوع من التفكير. وكما ذكرنا مسبقا بأن سمو ولي عهد المملكة حفظه الله يؤمن بأن شبابنا مبدع. فبالأحرى بشبابنا أن يكونوا مبدعين إيجابيا. وأقصد بكلمة إيجابيا هو أن يتم استخدام الابداع بطريق إيجابية وليس بطرق هدّامة؛ إذ أننا ومن خلال ممارساتنا في العلاج بالفن التشكيلي وجدنا بأن هناك شباب مبدعين أدى بهم إبداعهم السئ إلى الهدم بدلا من البناء وآذوا به أفراد مجتمعهم وانتهى بهم المطاف في السجون نتيجة لذلك. وبناء على ذلك فإن الشباب يحتاجون إلى تنمية الابداع الإيجابي. والفن التشكيلي له أن يساهم في ذلك وبقوة؛ حيث أن العمليات العلاجية تستطيع تكشف التفكير الإبداعي من خلال الممارسات التشكيلية حيث أن الفن بطبعه عملية إبداعية. وتنمية النواحي الإبداعية من خلال تعليم الشباب الربط بين تلك الإبداعات التشكيلية الإيجابية مع مجريات الحياة اليومية. أذكر في إحدى جلساتي العلاجية أن شابا تكشف إبداعاته التجارية عندما كان صغيرا ولكنه لم يجد من يوجهه لاستعمالات ابداعاته بطريقة إيجابية بناءة وانتهى به المطاف في السجن لسنين. لم يكن لهذا أن يحدث لو أن ذلك الشاب وجد المختص الذي يستطيع تكشف تلك الابداعات وتوجيهها بطرق مفيدة نافعة ولما كانت حياة ذلك الشاب مرتبطة بإبداعاته السلبية الهدامة.
  • عمليات التحويل والتحويل المعاكس: ينمي العلاج بالفن التعبير البصري عن الانفعالات، والتعبير التجريدي، والثقة بالذات، ويوفر طرق مريحة للتعبير عن المشكلات، وينمي مهارات التواصل .  وهنا نجد أن العلاقة بين المعالج والشاب الصغير تقوى بشكل ملاحظ وينموا الترابط بينهما بسبب النشاط الفني الذي يقوم مقام الوسيط المحايد بينهما للوصول إلى تعبير حقيقي عن الانفعالات والمشاعر والعواطف والصدمات. وقد تكون هذه العلاقة هي الوحيدة في عالم الطفل التي يستطيع أن يثق بها ويأمن لها وينجذب إليها لشعوره بالدعم الحقيقي الذي يسمح له بنقاش أموره من خلالها. وهنا أود أن أنوه إلى عمليات التحويل والتحويل المعاكس (transference and countertransference) والتي تحصل بشكل سريع ولكنها معقدة للغاية، ولا يستطيع فهمها والتعامل معها إلا عن طريق إدراكها واستعمالها بشكل يسرع من العملية العلاجية. الجدير بالذكر أن عملية التحويل قد تفهم بطريقة خاطئة ويسيئ استعمالها لدى المختصين البعيدين عن التحليل النفسي. ولكن نرى أن المختصين في العلاج بالفن التشكيلي المؤهلين تأهيلا أكاديميا يدركون حدوثها بشكل مثالي لما توفره وسائل التعبير الشكلي لهم من رموز وأشكال تعكس مباشرة ذلك التحويل الدينامي في العلاقة العلاجية مع الطفل أو الشاب الصغير كما هي أيضا مع البالغين من الجنسين . عملية التحويل هي عندما يعيد العميل- سواء بالغ كان أم شابا صغيرا- توجيه مشاعره من شخص ما ذو علاقة به ومهم في حياته إلى المعالج . على سبيل المثال عندما يبدأ العميل (الصغير) بالتعامل مع المعالج بطريقة تشبع مشاعره التي لم يكن قادرا على تنفيذها مع أحد الوالدين . وهناك أنواع كثيرة من التحويل خصوصا في مرحلتي الطفولة والمراهقة كأن يشبع الشاب أحاسيسه ومشاعره الإيجابية أو السلبية تجاه أحد الوادين من خلال المعالج . أما بالنسبة للتحويل المعاكس فهو أن يحول المعالج مشاعره تجاه العميل الطفل أو البالغ بهدف الحماية أو الحلول محل أحد الوالدين بتوفير النصائح والهدايا الشخصية ،على سبيل المثال، مبتعدا عن حدود العملية العلاجية. ويمكن أن يتكرر هذا بشكل مبالغ فيه في بعض الأحيان بحكم أن البالغين عادة يميلون إلى حماية الأطفال . وكذلك طبيعة المجتمع السعودي من حيث تقديم المساعدة في شكل (الفزعة) وهي القيام بمساعدة شخص ما في ضائقة معينة بدون التفكير في العواقب . الجدير بالذكر أن عمليتي التحويل والتحويل المعاكس تحدث بشكل لاشعوري لدى الأثنين المعالج والعميل . وعلى هذا الأساس يجب التركيز في أثناء العملية العلاجية وإدراك حدوث هتين العمليتين والاستفادة من توجيه كلاهما للتقدم في العملية العلاجية. وأود أن أنبه مرة أخرى الإخوة والأخوات الذين يستعملون العلاج بالفن التشكيلي بدون تدريب أكاديمي عميق لهتين العمليتين حيث أن عدم ادراك حدوثها قد يعقّد العملية العلاجية وتؤدي إلى كوارث لاتحمد عقباها لأن عمليات التحويل والتحويل المعاكس قد تكون جنسية في كثير من الحالات وخصوصا في مجتمعنا السعودي.
  • كيف يعمل العلاج بالفن التشكيلي؟

لنتذكر دائما أن العلاج بالفن التشكيلي لا يعمل مثل عمل التربية الفنية أو تعليم المهارات الفنية وإنما يعمل على النواحي النفسية والاجتماعية وبطريقة خاصة تختلف عن أساليب العلاج النفسي وتقنياته. وهي كالتالي:

تبدأ العملية العلاجية مباشرة بعد عمليات التقييم والتشخيص. وهنا يتمثل العلاج بالفن في مدى تأثير الممارسات الفنية الهادفة على العمليات العقلية والنفسية والاجتماعية البحتة. كيف؟

يدرك المعالجون بالفن أن لكل خامة فنية مقومات معينة ولها ارتباطات بالعمليات العقلية وتؤثر فيها وتتأثر بها مثلها مثل أي تفاعل معين مع أي شيء في البيئة المحيطة بالفرد. وبناء على ذلك فالتعامل مع الخامة الفنية له ارتباط مباشر بالعمليات الدماغية. وقد قسّم العلماء، في هذا الإطار، الخامات الفنية المستعملة عادة في العلاج بالفن إلى قسمين (الخامات السائلة، والخامات الصلبة) وارتباطهما مع العمليات الابداعية؛ حيث أن عمليات الابداع موزعة على الدماغ بالكامل، حيث يشترك فصي الدماغ الأيمن والأيسر في العملية الابداعية وليس كما قيل لنا لسنين طويلة أنها مختصة بالفص الأيمن من الدماغ. ومايخص الفص الأيمن في الواقع هو العفوية والطلاقة الإبداعية. https://academic.oup.com/scan/article/8/4/475/1627373?login=true

وبناء على ذلك فإن توفير مجموعة من الخامات الفنية للشاب/الشابة ليختار منها للتعبير هي شيء في غاية الأهمية بدلا من توفير خامات الرسم فقط كما هو المعتاد. هنا يستطيع الفرد اختيار خامة التعبير المناسبة لانفعالاته ورغبته في التعبير الفني. وعندما يتم اختيار الخامة الفنية للتشكيل الفني إما أن يترك للفرد اختيار موضوع التعبير أو ترك الخيار له كما يريد (حسب التوجّه العلاجي للمختص). وفي هذه المرحلة من العلاج يتم بناء العلاقة العلاجية وبدء المرحلة التعبيرية عن المشاعر والانفعالات. وقد يختلف الوضع في هذه المرحلة عند المختصين الذين يتبعون العلاج بالفن المتمركز حول الحل؛ حيث أنه لايهمهم بشكل كبير الخوض في الماضي وشكوى المريض بل يذهبون مباشرة إلى البحث في إمكانات الشخصية والحصر الذاتي والبحث في مصادر الشخص التي لها أن تنقله إلى مستقبل أفضل. وبحكم أن هذا الأسلوب لايزال في مرحلته الأولية في الوطن العربي نتحدث عن المألوف من الاتجاهات العلاجية الأخرى. هنا يبحث كل من المعالج بالفن والعميل في المشاعر والأحاسيس والأفكار والموضوعات ذات العلاقة والوصول إلى نتائج مُرضية للجانبين؛ المعالج والعميل. ويتم إنهاء العمليات العلاجية حسب اتفاقيات وبروتوكولات معينة. ومن الممكن أن تكون الجلسات العلاجية فردية أو جماعية أو مشتركة مع أفراد العائلة. وتدوم الجلسات العلاجية إلى الساعة الواحدة والساعة والنصف للجلسات الجماعية والمشتركة. وتتم هذه الجلسات في عيادة العلاج بالفن التشكيلي أو العيادة النفسية أو المستشفى ينفذها المعالج بالفن التشكيلي فقط. ليس لأي مختص آخر الأحقية في تنفيذ العلاج بالفن التشكيلي نهائيا بحكم التخصص وأخلاقيات المهن الصحية. وبناء على ذلك أنصح الذين يقررون اختيار العلاج بالفن التشكيلي كعملية علاجية أن يتأكدوا من حصول المعالج بالفن التشكيلي على الشهادة الجامعية في ذلك المجال أو التصنيف المهني كمعالج بالفن التشكيلي من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.

وفي نهاية المطاف آمل أن أكون قد أضفت شيئا من المعرفة عن دور الفن التشكيلي في نمو الأطفال والشباب من وجهة نظر العلاج بالفن التشكيلي. آمل التواصل والنقاش لمافيه مصلحة الوطن.

أشكر سعادة الدكتور/ عبدالعزيز الجميعة، الذي هو من أوائل المعالجون المعرفيون في هذا الوطن لما أسهم به في هذا المقال.

نُشر بواسطة Dr. Awad Alyami

مستشار العلاج بالفن التشكيلي

رأيان على “الفن والحالة النفسية (٢)

أضف تعليق