العلاج بالفن للفئات الخاصة
سحر العلاج بالفن التشكيلي The magic of Art Therapy with special populations
العلاج بالفن وأصحاب الهمم (الفئات الخاصة)
كثيرا ما تصلنا العديد من الأسئلة على هذا الموقع وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي عن دور العلاج بالفن مع الفئات الخاصة، وكيف للعاملين مع هذه الفئة أن يقدموا المساعدة الفاعلة لهم. في الحقيقة أن الفئات الخاصة متعددة وكثيرة مثل المصابين بالإعاقات البدنية، والإعاقات البصرية، والتوحديين، والاعاقات العقلية الأخرى، وغيرهم من الأشخاص الذين تم تصنيفهم ضمن الفئات الخاصة. وكما نعرف بأن الإعاقة قد تكون مكتسبة من البيئة أو أنها إعاقات ولد الطفل بها. وأصحاب هذه الفئات يعانون من مشاكل عديدة منها الفكرية، والبدنية، والعقلية، والعاطفية، والاجتماعية وصعوبة التواصل وغيرها من المعوقات الاقتصادية والمهنية. وهم مثل غيرهم من البشر يجب أن يعيشوا حياة كريمة ومن حقهم أن يتمتعوا بالحياة، الا أن إعاقاتهم قد تعيقهم من الوصول الى مثل هذه المتعة وحتى تعيقهم من تحقيق أساسيات الحياة في بعض الحالات. أضف الى ذلك أن أسرهم ومجتمعاتهم يتأثرون بتلك الإعاقات ايضا. ومن خلال الخبرات التي حصلنا عليها في مجال العلاج بالفن مع الفئات الخاصة وجدنا أن الفن التشكيلي قد يسهل على أفراد هذه الفئة بعض المصاعب التي يعانون منها هم وذويهم. وفي هذه المدونة المتواضعة سوف نعرض بعض الإمكانيات التأهيلية التي يمكن للعلاج بالفن أن يقدمها لهذه الفئة في اطار تحسين جودة الحياة.
- تعريف ووصف للعلاج بالفن للفئات الخاصة:
العلاج بالفن هو شكل من أشكال التعبير الفني الذي يمكن أن يساعد الناس على تحسين صحتهم العاطفية والعقلية والجسدية. في حين يمكن لأي شخص استخدامه للحد من التوتر أو تحسين تقدير الذات، فهو مفيد بشكل خاص في الفصول الدراسية للفئات الخاصة. ويتيح العلاج بالفن للطلاب تطوير طرق جديدة للتعبير عن أنفسهم والتواصل مع الآخرين. غالبًا ما يتم استخدام الخامات الفنية التقليدية مثل الألوان المائية وأقلام التلوين وأقلام الرصاص الملونة، ويتم تشجيع الطلاب على اختيار الموضوع والخامات الفنية الخاصة بهم. يمكن للمعالجين بالفن فحص الحالة النفسية وراء قرارات الطلاب والتقاط الإشارات غير اللفظية لفهم مشاعرهم بشكل أفضل (وهذا ليس تحليل لرسوماتهم). يمكن أن يساعد العلاج بالفن طلاب الفئات الخاصة على إدارة السلوك أو التعامل مع المشاعر الناجمة عن الأحداث المؤلمة.
- ماهي بعض استراتيجيات/تقنيات العلاج/التأهيل بالفن التشكيلي لذوي الاحتياجات الخاصة؟
لايزال العلاج بالفن في بداياته في منطقتنا العربية الا أنه قد تكونت بعض الخبرات لدى المختصين في هذا المجال بحكم داستهم للعلاج بالفن في الخارج وممارساتهم المهنية في بعض البلدان العربية. نود أن ننوه هنا الى أن هناك بعض البرامج التدريبية التي تدعي بأنها تدرب على العلاج بالفن واعلاناتهم التجارية تصل الى جوالاتنا بشكل مستمر.. ولاحظنا بأن مايقدم من خلال هذه البرامج يسئ بشكل مجحف الى مفهوم العلاج بالفن لأن مايتم تقديمه هو مجرد نقل الممارسات الفنية من غرفة الفنية الى غرفة أخرى في المستشفى بدون تعديل وهذا ليس العلاج بالفن. أرى اذا احتاج أحد ما أن يتعلم طرق واستراتيجيات العلاج بالفن أن يسأل المدرب عن مصدر علمه. هل تخرج من برنامج (علاج بالفن) من الخارج؟ لأنه كما ذكرت لا يوجد برامج مهنية موثوقة في أي دولة عربية هذا بالإضافة الى أن بعض الخريجين من الخارج ليسوا بمختصين في العلاج بالفن ويطلقون على أنفسهم معالجون بالفن. اطلب صوره من شهادة المدرب. البعض يعمل في بعض المؤسسات الصحية والتأهيلية بمسمى معالج بالفن وهو في الحقيقة غير ذلك ولا يعني أنه مرخص. هل هو مرخص للعمل كمعالج بالفن بالإضافة الى شهادته؟ انتبه، قد تكون أنت أكثر منه وعيا بماهية الفن كعلاج.
والان سوف نطرح بعض استراتيجيات وتقنيات العلاج بالفن مع بعض الفئات الخاصة:
· مشكلات التوحديين:
عندما يكافح الطفل المصاب باضطراب طيف التوحد للتعبير عن مشاعره أو التواصل، فقد يكون العلاج بالفن هو الأداة التي يحتاجها لإجراء تحسينات في هذه المجالات.
قد يجد الأطفال المصابون بالتوحد طرقًا جديدة للتواصل أو التعبير عن أنفسهم من خلال العمل مع المعالج بالفن. قد يشعر بعض الطلاب المصابين بالتوحد براحة أكبر في التعبير عن أنفسهم والتواصل باستخدام الرموز. يمكن لهذه القدرة أن تفتح عالمًا جديدًا للطالب سواء في المدرسة أو في المنزل.
قد يواجه بعض الطلاب المصابين بالتوحد صعوبة في معالجة المدخلات الحسية. يمكن للعلاج بالفن تعريف هؤلاء الطلاب على مواد مختلفة يمكن أن تساعدهم في معالجة مشكلاتهم الحسية بطريقة صحية ومن خلال تفعيل جميع الحواس.
والأهم في العمل مع أطفال التوحد هو فهم كيفية تعلمهم وسلوكياتهم المميزة والدخول اليهم عن طريقها بالفن التشكيلي ثم تدريجيا تطوير مهاراتهم المختلفة. هذا بالإضافة الى تنمية ماتقدم ذكره من النواحي الانفعالية والعاطفية لدى الطفل.
· تحسين النواحي الأكاديمية
بالنسبة للطلاب الذين يعانون من المشكلات الأكاديمية بسبب مشاكل سلوكية، من المحتمل أن يصل العلاج بالفن إلى الأسباب الجذرية للمشاكل السلوكية. وهذا يمكن أن يؤدي إلى تحسين الأداء في جميع المواضيع (اقرأ المثال رقم ٢).
الطالب الذي يعاني في العديد من جوانب مختلفة في المناهج المدرسة ولكنه يشعر بالنجاح في الفنون قد يكتسب بعض الثقة من خلال جلسات العلاج بالفن. وقد يمتد هذا إلى جوانب أخرى من حياة الطفل في المدرسة والمنزل.
· تحسين الحضور
بالنسبة لبعض الطلاب المشاركين في فصول التعليم الخاص، قد يمثل مجرد الحضور إلى المدرسة بشكل منتظم تحديًا. قد يجد الطالب الذي يواجه صعوبات مع الأكاديميين، أو لا يشعر بالثقة، أو غير سعيد، أسبابًا متعددة لتجنب الذهاب إلى المدرسة.
عندما يتغيب الطالب الذي يعاني من المدرسة، فإنه قد يتخلف أكثر ويواجه صراعات أكبر.
من خلال استخدام العلاج بالفن، قد يكتشف معلمو التعليم الخاص وأولياء الأمور أن الاستمتاع بالأعمال الفنية يحفز الطفل على الذهاب إلى المدرسة بشكل أكثر انتظامًا. يمكن أن يكون العلاج بالفن ممتعًا في نفس الوقت الذي يساعد فيه الطالب.
وإذا ساعد عمل المعالج بالفنون الطفل على تحقيق نجاح أكبر في المدرسة ككل، فقد يكتسب الطالب شعورًا بالثقة يمتد إلى مجالات أكاديمية أخرى، مما يؤدي إلى حضور أكثر انتظامًا.
· تحسين المهارات الاجتماعية
قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في التعبير عن أنفسهم. وهذا يمكن أن يجعلهم يشعرون بالعزلة عن أقرانهم في بيئة التعليم العام. قد يجدون صعوبة في التواصل مع الآخرين إذا كانت أعمارهم أو احتياجاتهم مختلفة إلى حد كبير.
ومع ذلك، من خلال الفن، قد يتمكن الطلاب من الارتباط ببعض المشاعر التي يعبر عنها الطلاب الآخرون. وهذا يمكن أن يساعد الطلاب على التعاطف مع بعضهم البعض، مما يؤدي إلى شعور أكبر بالانتماء والصداقة الحميمة.
· الحد من السلوكيات التخريبية
الطلاب الذين يهاجمون المعلمين أو الطلاب الآخرين قد يفعلون ذلك بسبب عدم قدرتهم على التعامل مع المشاعر المختلفة التي يشعرون بها. يمنح العلاج بالفن هذه الأنواع من الطلاب منفذًا إبداعيًا للتعبير عن مشاعرهم، مما قد يساعد في حل المشكلات السلوكية.
عندما يستمتع الطالب بإبداع الفن أثناء جلسة العلاج بالفن، فقد ينسى مشكلات أخرى في حياته، على الأقل لفترة قصيرة. قد يبدو هذا بمثابة إلهاء بسيط، ولكنه قد يؤدي أيضًا إلى تحسين مهارات التكيف مع استمرار الطالب في العمل مع المعالج بالفن.
- التغلب على الصدمة
بالنسبة للطالب الذي يعاني من موقف مؤلم في مرحلة ما من حياته، قد يمتد تأثير بعض الصدمات إلى الأداء في المدرسة. إن العثور على طريقة لمعالجة الصدمة بطريقة صحية يمكن أن يشكل تحديًا، خاصة إذا كان الطالب لا يريد التحدث أو الكتابة عن الصدمة والمشاعر المرتبطة بها.
يمكن أن تؤثر الحالة المؤلمة على الطفل لعدة أشهر أو سنوات بعد ذلك. يمكن أن يترك الطفل يعاني من مشاكل سلوكية وعاطفية تظهر في صورة صراعات في المدرسة والمنزل. يعاني بعض الطلاب من الاكتئاب أو الشعور بعدم الأمان أبدًا بسبب عدم القدرة على معالجة المشاعر المرتبطة بالصدمة.
من خلال العلاج بالفن، يتمكن بعض الطلاب من استخدام تشكيل الأعمال الفنية للتعبير عن مشاعرهم ومعرفة كيفية التعامل مع الصدمة بطريقة صحية.
· تنمية المهارات الحركية الدقيقة
إن استخدام الخامات والأدوات الفنية يمكن أن يمنح الطلاب طريقة ممتعة للعمل على مهاراتهم الحركية الدقيقة. بعد خضوعهم لجلسات العلاج الطبيعي خلال اليوم وتعلم كيفية الإمساك بالأشياء وتطوير التنسيق بين اليد والعين، يمكن للطلاب التقاط فرشاة الرسم أو الاستفادة من قلم التلوين لإكمال مشروع فني. قد يستجيب بعض الطلاب بشكل أفضل لجلسات التدريب على المهارات الحركية الدقيقة عندما يكونون قادرين على العمل على الفن في نفس الوقت.
إن العمل باستخدام الطين أو الخرز الصغير أثناء مشروع فني يمكن أن يفيد بشكل كبير في تنمية المهارات الحركية الدقيقة التقليدية لدى الطفل أيضًا. لا يجب أن يعتمد التحسين في هذا المجال على أقلام التلوين أو فرش الرسم فقط.
- الاستراتيجيات التي يجب اتباعها:
- التعرف على الطفل:
لكي يكون العمل ممنهجا ويؤدي دوره المناط به في العلاج بالفن التشكيلي يجب أن يخضع للاستراتيجيات التي يستعملها المعالجين بالفن وهي التشخيص أولا ثم التدخلات العلاجية. فمن غير التشخيص سيكون العمل مع الطفل عشوائيا وبدون قواعد ينبثق منها العمل العلاجي. هنا يحتاج المعالج بالفن الى التعرف على المشكلات التي يعاني منها الطفل من أي فئة كان وماهي المشكلات الخاصة التي يحتاج فيها الطفل الى حلول أو تنمية أو تدخل وبأي قدر. وهناك العديد من وسائل التشخيص التي توصل اليها العلاج بالفن لتشخيص المشكلات عن طريق الفن وأذكر
منها الرسم الحر وأخرى تم تفصيلها في كتابنا “العلاج بالفن التشكيلي: تاريخه، مفهومه، نظرياته، وتطبيقاته”. ومن خلال الرسم سوف تتضح لك العديد من المشكلات وكذلك المهارات التي يستطيع الطفل القيام بها. ومن خلال تطبيق الاختبار تستطيع أيضا ملاحظة سلوكيات الطفل في التعامل مع الخامات والأدوات مما يساعدك على رسم صورة أكثر وضوحا. ومن خلال رصد كل الملاحظات تستطيع الوصول الى قائمة حقيقية عن ما تحتاج التركيز عليه في التدخلات العلاجية وتستطيع وضع الخطة العلاجية بأهدافها ومراحلها للوصول الى نتائج ملموسة وليست عشوائية.
- التعرف على المرض:
هنا وبعد معرفة المشكلات التي يعاني منها الطفل، يجب الرجوع الى المراجع العلمية في التعرف على المرض والمشكلات التابعة له في النواحي البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية والسلوكية وكيف استطاع المعالجون بالفن التعامل معها وتحسينها. أيضا يجب البحث العملي في الخامات الفنية والإمكانات الاكلينيكية لما لها أن تقدمه في اطار حل تلك المشكلات والامراض. وهنا يأتي دور الخبرة العملية للمعالج في ممارساته لمختلف الخامات والأدوات التشكيلية. وبمعنى آخر أنه يجب أن يكون المعالج بالفن فنانا متمرسا في معظم المجالات التشكيلية حتى يستطيع توظيف امكانياتها لخدمة الخطة العلاجية.
- وضع الخطة العلاجية:
ماهي الخطة العلاجية؟ هي الاستراتيجية التي ستتبعها في علاج المشكلات التي تم رصدها في مرحلة التشخيص السابقة وكذلك الإمكانيات التي تم تكشفها ليتم استعمالها في العملية العلاجية. وضع الأهداف العلاجية و الخطة الزمنية مع محتوى المنهج العلاجي الذي يناسب هذا الطفل بشكل منفرد. ويجب وضع الخطط المناسبة بالقدر المناسب للوصول بالطفل الى تحقيق الأهداف العلاجية. وتبدأ بالتنفيذ معتمدا على احراز الطفل التقدم وتشجيعه أو تحسين التدخلات العلاجية اذا لم يكن هناك إشارات الى تقدم الطفل. وفي مرحلة التدخلات الفعلية للخطط يجب مراقبة الإمكانيات التي تظهر لدى الطفل والاستفادة منها في تقدم الحالة.
- التقنيات المساعدة:
تعتبر التقنيات المساعدة للفنان من أهم الأمور التي لها أن تحدث فوارق إيجابية مصيرية. إذ أن التعرف عليها وابتكار البعض منها ليستطيع الطفل استعمالها ستساعده على تحسين حياته اليومية بشكل واضح لا يستطيع غير المعالج بالفن الوصول اليها. وعلى سبيل المثال ليس الحصر أن المعالج بالفن المتمرس يستطيع تصميم وتنفيذ أداة مساعدة للطفل الذي فقد أصابعه مثلا بأن يصمم له أداة من الخامات الفنية تساعده على مسك الفرشاة مثلا. هذه الأداة قد تفتح أبواب إيجابية كثيرة للطفل من أمثال مسك الملعقة ليعتمد على نفسه في الأكل أو مسك القلم للكتابة كما هو الحال في المثال (١) بالأسفل.
أمثلة:
- الشاب هديان (١):
تعرفت على هديان في احدى المستشفيات التي كان يخضع فيه الى التأهيل. شاب عمره ١٩ سنة أصيب في حادث سيارة بعد تخرجه من الثانوية بتقدير ممتاز عندما كان لتقدير ممتاز اعتبارا كبيرا. وكان هذا التقدير يعني له مستقبلا باهرا. بعد حصوله على الشهادة كان مثله مثل الشباب في عصره ملئ بالفرح وحالما بمستقبل ممتاز. ولفرحته بتلك النتيجة ركب سيارته مع أصدقائه وحاول أن يعبر عن حالة الفرح والسرور التي تغمره فراح يتعامل مع السيارة بنفس الحماس وتهور بعض الشئ الا أنه ولسوء حظه فقد السيطرة على المقود فانقلبت بهم السيارة عدة مرات. أصيب هديان بإصابات كبيرة من ضمنها كسور في فقرات العمود الفقري وقطعت أصابع احدى يديه وأصيب بجروح عميقة في أجزاء كثيرة من جسمه. أجريت له العمليات اللازمة لجميع مشكلاته الجسمية ثم حول الى مركز التأهيل الذي كنت أعمل به في تلك الفترة. استاءت حالة هديان البدنية والنفسية بشكل كبير. وبدأ بالاستسلام لأفكاره المحبطة وبدأ برفض الأكل والشرب لإحساسه بالإحباط والإهانة لأنه لم يعد يستطيع تنظيف نفسه ولا الاعتماد على نفسه في الأكل والشرب ولا حتى استعمال جواله الجديد. قرر فريق التأهيل تصميم أطراف اصطناعية له. ولكنها قد تتأخر في الوصول عدة أشهر وربما سنه. ازدادت سوءا حالة هديان ولم يعد لدى مركز التأهيل إمكانية في ابقائه بالمركز أكثر من ذلك فقرروا بأن يكتبوا له خروج الى البيت حتى وصول الأطراف المطلوبة. وبحكم أنني عضو في فريق تأهيل هديان اعترضت على إخراجه بهذه الحالة مدركا كيف لحالته أن تسوء ويمكن أن تصل به الى الانتحار لاسمح الله. فطلبت التدخل بشكل لم يعجب الجميع ولكن كان المدير الطبي يؤمن بما لدي من إمكانيات فوافق الجميع على تدخلي متسائلين كيف للفنان أن يعمل شي ونحن الأطباء قد عجزنا عنه؟ ولمعرفتي الجيدة بالتشكيل المجسم والعلاجات النفسية كمعالج بالفن ذو خبرة طويلة. درست حالة هديان من الناحية النفسية والاجتماعية والبدنية وصممت له خطة علاجية تناسبه. كنت أعرف بأن هديان قد سيطرت عليه أفكار الإحباط والأسى بشكل كبير جدا وهو في هذه الحالة الى إعادة الأمل اليه مرة أخرى ليستطيع الصبر والتحمل والتكيف مع احباطاته النفسية والبدنية وكان متوجبا علي التدخل بشكل مهني لإنقاذ الموقف وبسرعة. في نفس الوقت وبعد انتهاء جلسة التأهيل الذي تم السماح لي بها في التدخل العلاجي لهديان اصطحبت معي احدى الأطباء لعمل جلسة علاج بالفن طارئة. طلبت مناديل خشنة واشرطة لاصقة وأحضرت معي فرشة وأصباغ وورقة رسم ثقيلة. وأمام الطبيب قمت بتشكيل المناديل على يد هديان المبتورة الأصابع وهي اليد المهيمنة. وادخلت فيها الفرشات بطريقة مناسبة وقمت بعد ذلك بربطها باحكام فظهرت بشكل الطرف الصناعي الذي كان قد تم توريده من خارج البلاد ليصل بعد سنة من تاريخه. وبعدها طلبت من هديان بأن يكتب اسمه. ولمفاجأة الطبيب استطاع هديان كتابة اسمه بإبداع. بعدها سحبت الفرشاة وأدخلت ملعقة بلاستيكية مكانها وكان الوقت وقت الغداء وكان هناك طبق شربة ينتظر هديان لتناوله. أعطيت هديان طبق الشربه وطلبت منه أن يشرب البعض منها. وهنا وضحت الصورة لدى الطبيب عندما استطاع هديان التهام طبق الشربة بالملعقة المثبتة على يده اليمنى وهو مبتسم وسعيد. جرت أحداث كثيرة في ذلك اليوم وكان حديث المركز ذلك اليوم عن العلاج بالفن وكيف له أن يساهم في عمليات التأهيل بشكل فاعل. طبعا مختص الأطراف لم يكن سعيدا في ذلك اليوم. ولكن المهم أن المريض كان أكثر الناس سعادة باستعادة الأمل في الحياة. في اليوم التالي زرت هديان في غرفته في الصباح الباكر فوجت كل جدران الغرفة مليئة بلوحات فنية وخطوط جميلة من انتاج هديان. واستطاع هديان أن يسيطر على حالته النفسية والبدنية بعد ذلك. ولك أن تتخيل بقية القصة.
- الطفل موسى (٢):
موسى طفل كان يبلغ من العمر احدى عشر سنة في الصف الثالث الابتدائي، يعاني من صعوبات التعلم وديسلكسك وهي احدى الفئات الخاصة المتفق عليها عالميا. وكان معلم التربية الفنية أحد طلاب الدراسات العليا عندي في الجامعة. ذكر لي المعلم صعوبات هذا الطفل وقررنا التدخل. كانت مشكلة موسى هي القراءة وهي السبب في العديد من المشكلات النفسية والاجتماعية لديه وخوف أسرته بأن لا يستطيع الوصول الى مستقبل أفضل. تم فحص موسى في القراءة فوجدت أن موسى يجد صعوبة في التفرقة بين الحروف المتشابهة فيحبط عندما يقال له “خطأ”. وتبدأ لدى موسى كرة الثلج المحبطة في التدحرج والنمو والتمثل في كل أفكاره وسلوكياته وأحلامه. رسب في الصف الثالث عدة مرات ولم يعد يلعب ويستمتع بحياة طفولته مع أقرانه. يشعر بالدونية بين أقرانه وأفراد أسرته ويتعامل الجميع معه بأنه “غبي”. ففي خطتنا العلاجية تعرفنا على المشكلات التي صاحبت صعوبات القراءة لديه وحصرناها ثم صممنا خطة علاجية مناسبة. وبالطبع عندما تكون ممارسا للفنون بجميع أشكالها تدرك مدى فاعليتها الاكلينيكية اذا كنت معالجا بالفن مؤهل. وكمعالج بالفن مدرب تحت رواد العلاج بالفن الأساسيين في أمريكا أعلم بأن للتجسيم قدرة أكبر على التعبير في تثبيت المعلومة أفضل من التشكيل المسطح. حيث يتم استعمال حواس إضافية أخرى الى حاسة الابصار التي يتم الاعتماد عليها في الرسم والكتابة والقراءة. فاخترت الصلصال الملون ليقوم موسى بتشكيل الحروف والكلمات ثم الجمل بالـألوان وتفرقتها ثم قراءتها. هنا استطاع موسى تخطي صعوبات التعلم لديه خلال أسبوعين واستطاع الخروج من حفرة ثالث ابتدائي. وتبع ذلك تحسن حالته النفسية وازدادت ثقته بنفسه وعادت أسرته تحلم بأن يكون له مستقبلا أفضل مثله مثل بقية أقرانه واخوته.
أليس هذا سحرا؟
انه العلاج بالفن الحقيقي مع الفئات الخاصة.
- خطوة رائدة في مجال الارشاد الطلابي بالمملكة
- ماذا يحدث عندما يفقد أصحاب الأداء العالي قدراتهم الإبداعية؟
- العلاج بالفن يدعم العمليات العلاجية لدى المعالج النفسي والاجتماعي
- كتاب جديد
- الأسئلة الشائعة في العلاج بالفن التشكيلي