مقدمة تعريفية
العلاج بالفن (بالإنجليزية: Art Therapy) هو تخصص إكلينيكي تكاملي يجمع بين مجالات الفن وعلم النفس الإكلينيكي. ويُعرف كخدمة صحية عقلية تسعى إلى تحسين جودة حياة الأفراد وتوازنهم النفسي من خلال “صناعة الفن النشط، والعملية الإبداعية، والنظرية النفسية التطبيقية، والخبرة الإنسانية في إطار علاقة نفسية علاجية”.
ووفقاً للجمعية الأمريكية للعلاج بالفن (AATA)، فإن هذا التخصص يستخدم أساليب التعبير الفني والتواصل غير اللفظي لتمكين المرضى من صياغة لغة مجازية ورمزية تساعدهم على إعادة بناء شخصياتهم، والتعبير عن الصراعات الداخلية والمشاعر المكبوتة. وفي هذا السياق، تركز العملية العلاجية على عملية الخلق الإبداعي ذاتها وما تتيحه من استبصار ذاتي وتفريغ انفعالي، وليس على القيمة الجمالية أو المهارة الفنية للمنتج النهائي. وتعرفه رابطة معالجي الفن البريطانية (BAAT) بأنه عملية تنطوي على استخدام المواد الفنية مع الأفراد أو المجموعات في عمل مشترك يربط بين المعالج والمستفيد بهدف التواصل والفهم المتبادل.
ويؤكد التخصص بشكل صارم ودقيق بأن العلاج بالفن هو ممارسة إكلينيكية بحتة ترتكز بشكل أساسي على التعليم الأكاديمي العالي والتدريب الإكلينيكي المكثف تحت الإشراف المهني المباشر وعالي الجودة، تماماً كما تقتضيه بروتوكولات التدريب المهني في الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وكندا، وسنغافورة، وبقية أنحاء العالم المتقدم.
التصنيف العلمي والفروق المنهجية (فك الارتباط والخلط المهني)
يعاني مجال العلاج بالفن في البيئة العربية من خلط واضح وتداخل في المفاهيم بين الممارسة الكلينيكية المعتمدة وممارسات ترفيهية أو تأهيلية أخرى [151، 180، 249]. ولتوضيح القيمة العلمية والعملية لهذا العلم، يجب التمييز بشكل صارم بين الفئات التالية:
العلاج بالفن الإكلينيكي المعتمد (Clinical Art Therapy): هو تخصص طبي ونفسي مساند يخضع لمعايير أكاديمية وإكلينيكية صارمة [103، 127]. ولا يمكن ممارسة هذا التخصص إلا من قبل أخصائيين مؤهلين تأهيلاً أكاديمياً متخصصاً عبر برامج دراسات عليا (ماجستير أو دكتوراه إكلينيكية) في العلاج بالفن من جامعات معتمدة عالمياً، حيث يتضمن هذا التأهيل تدريباً إكلينيكياً ميدانياً مكثفاً وساعات اتصال مباشر خاضع للإشراف (Supervised Clinical Contact) لا تقل عن 500 إلى 1000 ساعة [90، 103].
العلاج بالعمل (Occupational Therapy): تخصص تأهيلي وفيزيائي يهدف إلى استعادة المهارات الوظيفية واليومية والجسدية للمريض لمساعدته على الاستقلالية. ورغم أن أخصائي العلاج بالعمل قد يستعين ببعض الأنشطة الفنية أو اليدوية كوسيلة لتحسين التآزر الحركي أو شغل وقت الفراغ، إلا أنه لا يمثل “العلاج بالفن الإكلينيكي” الذي يستهدف اللاشعور وعلاج الصراعات والاضطرابات النفسية العميقة. والجدير بالذكر أن العلاج بالعمل تقنية قديمة جاءت بعد الحرب العالمية الثانية لاعادة تأهيل المعاقين العائدوين من الحروب لمساعدتهم على تقضية وقت الفراغ القاتلة وعلهم يشعرون بأنهم ليسو مجتمع تالف منتهي الصلاحية في ذلك الوقت. يعلمونهم تلوين قوالب الخشب ورسم الماندالا وغيرها. ولغياب التخصص العلاج بالفن في ذلك الوقت كانوا يرسمون في المرسم وترسل رسوماتهم للطبيب النفسي ليبدع من عنده بتحليل رسواتم لتساعده في توجيه العلاج النفسي. للاسف الشديد أن هذه الممارة لا تزال تمارس في كثير من المصحات النفسية ذات الطابع القديم والتي كما نعرفها تؤوي المرى النفسيين دون قدرتها على مساعدتهم على العودة للحياة اليومية. ولا يزال البعض منها موجود على أرض الواقع في الدول العربية. والقائم على برامج العلاج بالعمل هم إما فنانين تشكيليين وجدو فرص نادرة في العمل داخل المستشفيات أو حرفين حضو بنفس الفرصة. وهذا النوع من الممارسة لا يمكن تصنيفه علاج بالفن لأنه يفتقد معظم مقومات العلاج وقد نتجرأ قليلا ونصنفه بالعلاج الترويحي. وقد يكون ذلك كثيرا عليه لأن مجال العلاج الترويحي مجالا نفسيا منفصلا بذاته وله نظرياته وممارساته المميزة التي تحدث آثارا علاجية يفتقدها العلاج بالعمل وهي من باب أولي ليست علاجا بالفن.. الترفيه العلاجي وتعديل السلوك البسيط: ممارسات فنية تهدف إلى الترويح عن النفس وتخفيف حدة التوتر أو شغل أوقات الفراغ في المدارس أو دور الإيواء والمراكز المجتمعية. ورغم أثرها الإيجابي المحدود، إلا أنها لا تعد علاجاً نفسياً واقعياً وممنهجاً، ولا تطبق بروتوكولات العلاج بالفن الإكلينيكي القائمة على الاستبصار بالذات والتدخلات النفسية العميقة. ومع انتشار العلاج بالفن وجدالعاملون في مجال الترفيه العلاجي فرصة بأن يستعملو الفن وبعض بروتوكولات العلاج بالفن المعتمدة بدون تدريب اكاديمي ليضيفوا الى صندوق أدواتهم بعض الأنشطة الترفيهية التي تحتوي على مهارات في العلاج بالفن. وهنا يأتي الخلط عندما يبدأ العاملين في هذا المال بتقمص دور المعالج بالفن دون التأهيل الصحيح والمناسب ونسب أنفسهم الى العلاج بالفن لما يضيفه مسمى معالج بالفن من رونق وبرستيج للعاملين في مجال الترفيه. وهذا خطأ مهني قاتل قد يؤدي الى كوارث مهنية كبيرة عندما يتحول الترفيه والرسم الى تليل رسومات الأشخاص دون علم أكاديمي وممارسات مدروسة تعتمد على بروتوكولات السلامة في العلاج بالفن لحماية الأشخاص وتجنب اصدارالأحكام النفسية والاجتماعية الخاطئة.
تحليل الرسوم السطحي: محاولات غير علمية أو قراءات فردية تسعى لتفسير الرسوم والألوان بشكل معزول وتجاري وقد انتشرت في الآونة الأخيرة في جميع الدول العربية لما فيها من جاذبية ساحرة وهمية وغير علمية مثلها تماما مثل قراءة الكف وقراءة الفنجان التي تستهدف الأشخاص من أصحاب التطلع للكسف عن أسرار النفس أو قراءة الطالع. ولنكن صريحين إذ أن ممارسات قراءة الكف وقراءة الطالع هي ممارسات لها تجذرها التاريخي في جميع الثقافات الانسانية وستجدها حتى في أرقي المجتمعات المتقدمة عندما تفشل المهن الصحية المتقدمة عن الوصول الى المجتمع بطرق صحية دعومة اجتماعيا ومهنيا من قبل المؤسسات المشرعة. وكذلك نجد بأن الأشخاص الذين يعانون من هبوط معنوي وتضيق بهم الحال نجدهم كما يقال “يتعلق بقشة” ليجد ما يدعمه أو يؤكد له قدراته أو يطمئن القلوب قليلا، لكن في بعض الأوقات يحدث تطرف كبير عندما يذهب آخرون لاحضار رسمة الزوج أو الزوجة لتكشف الأسرار. كل ذلك يعتبر مصدر رزق جذاب لاستغلال البشر والذي نهايته سوداوية تعمق الآلام بداخل من يطلب المساعدة.. العلاج بالفن الحقيقي يعتمد على تفسير وتأويل الرموز بالرجوع إلى العميل نفسه أثناء الجلسة العلاجية وضمن السياق الإكلينيكي للمعالج والبيئة العلاجية الآمنة، وليس وفقاً لتأويلات مسبقة وجاهزة. وجدير بالذكر هنا أن ننوه الى ممارسات غاية في لخطورة اذ يوجد أشخاص يقومون بتحليل الرسومات مثلهم مثل المنجمين وقارئي الفنجان وهم منتشرون بكثرة في هذه الايام على وسائل التواصل الاجتاعي وحتى في المولات التجارية. المشكله ان الناس لا يعلمون الحقيقة لأنه لم يرويا عليهم أحد. بل تعمقت ثقتهم بما هو موجود يلبي شفاؤهم الوهمي بدلا من مرفة العلم الحقيقي الذي جاء متأخر بعدة سنين. وهذا هو واحد من أسباب كتابة هذا المقال.
البحوث والدراسات الأكاديمية النظرية: هناك العديد من الدراسات الأكاديمية والبحوث النظرية المنشورة محلياً وعربياً حول العلاج بالفن (مثل دراسات التربية الفنية أو أبحاث علم النفس التربوي). ورغم أهميتها المعرفية وتأصيلها للمفاهيم، إلا أن هذه البحوث غالباً ما تكون نظرية أو تدرس الفن كنشاط ترويحي أو تعليمي، ولا تؤهل الباحثين أكاديمياً أو كلينيكياً لممارسة العلاج بالفن الإكلينيكي، نظراً لغياب التدريب الإكلينيكي الميداني تحت إشراف معالجين مرخصين .
مسيرة العلاج بالفن في المملكة العربية السعودية
البدايات والتطور التاريخي
تتمتع المملكة العربية السعودية بمسيرة تمتد لأكثر من ثلث قرن في دمج الفن ضمن منظومتها الطبية والتأهيلية. ويمكن تتبع هذه المسيرة عبر مرحلتين أساسيتين:
مرحلة المبادرات الفردية والورش الفنية (أواخر الثمانينيات والتسعينيات): بدأت هذه المرحلة عندما تأسس أول مرسم للفنون التشكيلية في مستشفى صحارى بمدينة الرياض عام 1988م بإشراف مباشر من الفنان التشكيلي السعودي إبراهيم بن عبد الله النغيثر بتوجيه من وزارة الصحة. وفي عام 1993م، انتقل النغيثر إلى مستشفى الصحة النفسية بعليشة لتأسيس مرسم يقدم جلسات فنية وتأهيلية وتثقيفية لنزلاء المستشفى وانضم اليه فنانين وحرفيين مصريين كان برنامجهم علاج بالعمل . ورغم نبل هذه المبادرات وتأثيرها الإيجابي، إلا أنها كانت تدار كورش عمل أو أنشطة ترويحية ووقائية تفتقر إلى التقنين الكلينيكي والمنهجية الأكاديمية المتخصصة في العلاج النفسي بالفن .
مرحلة التقنين الإكلينيكي والتأسيس العلمي والأكاديمي (عام 1995م وما بعدها): تأسست الممارسة المهنية والأكاديمية المعتمدة للعلاج بالفن في المملكة على يد البروفيسور عوض مبارك اليامي، الذي يُعد رائد مسيرة العلاج بالفن في المملكة العربية السعودية والوطن العربي . وقام بتغيير مصطلح العلاج عن طريق الفنTherapy through art الذي جاء من مصر الى العلاج بالفن Art Therapyإذ يختلف المصطلحين اختلافا علميا وتطبيقيا من كونه اداة مساعدة للعلاج الى أداة علاجية مباشرة وليس عن طريقه وذلك بناء على ما تعلمه في أمريكا. تخرج الدكتور عوض اليامي من جامعة ولاية بنسلفانيا (Pennsylvania State University) بالولايات المتحدة الأمريكية وحصل منها على درجة الدكتوراه الإكلينيكية في العلاج بالفن عام 1415هـ (1995م). وفي عام 1420هـ (2000م)، حصل الدكتور اليامي على أول ترخيص رسمي لمزاولة العلاج بالفن بصفة ممارس صحي مرخص من وزارة الصحة السعودية، وتصنيفه كأخصائي معالج بالفن من قِبل الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.
الأبحاث والمؤلفات المنشورة للدكتور عوض اليامي
أسس البروفيسور عوض اليامي الممارسة القائمة على البراهين العلمية في البيئة العربية من خلال أبحاث ومؤلفات ريادية منشورة دولياً ومحلياً، ومن أبرزها:
الأبحاث المنشورة في المجلات العالمية المحكمة (Elsevier):
أبحاث دمج العلاج بالفن في التأهيل الطبي: “The integration of art therapy into physical rehabilitation in a Saudi hospital” المنشور في المجلة العالمية المرموقة (The Arts in Psychotherapy) عام 2009م، وهو البحث الذي وثق علمياً أول تجربة لدمج العلاج بالفن كجزء من بروتوكولات التأهيل الطبي في مستشفيات المملكة.
أبحاث إعادة التأهيل الفكري ومكافحة الإرهاب: “The role of art therapy in counterterrorism: The Saudi experience” المنشور في مجلة (The Arts in Psychotherapy) عام 2015م، والذي استعرض الهياكل النظرية والتطبيقات الإكلينيكية للعلاج بالفن في دمج ومناصحة المتطرفين فكرياً.
أطروحة الدكتوراه التأسيسية:
“The Effect of Graphic Reenactment Art Therapy on Three Hospitalized Psychiatric Patients in Saudi Arabia” (جامعة ولاية بنسلفانيا، 1995م)، والتي تعد أول دراسة إكلينيكية سعودية تبحث أثر العلاج بالفن بإعادة التمثيل الجرافيكي على نزلاء المصحات النفسية [247، 252].
الكتب والمؤلفات الأكاديمية باللغة العربية:
كتاب “العلاج بالفن: تاريخه، نظرياته، وتطبيقاته” (مطابع جامعة الملك سعود، الرياض، 2008م)، وهو المرجع الأكاديمي الأول من نوعه في الجامعات العربية لتدريس أصول ونظريات العلاج بالفن الإكلينيكي .
دراسة “مفهوم العلاج بالفن” (مجلة البحوث التربوية، مركز البحوث بجامعة الملك سعود، 2001م).
اليامي، عوض بن مبارك سعد. (2003). الأشكال البصرية والعلاج النفسي: نحو علاج معرفي سلوكي بالفن التشكيلي. مجلة علم النفس، س17(65-66)، 92-109.
اليامي، عوض بن مبارك سعد. (2004). مدى توافق المقررات العملية في برنامج التربية الفنية لمرحلة البكالوريوس مع إمكانات وقدرات وحاجات طالبات قسم التربية الفنية بجامعة الملك سعود. مجلة جامعة الملك سعود – العلوم التربوية والدراسات الإسلامية، مج16(ع2)، 889-962.
اليامي، عوض بن مبارك سعد. (2005). برنامج مقترح في الإعداد الأكاديمي والمهني الإكلينيكي العالي للمعالج بالفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية. المجلة السعودية للتعليم العالي، مج2(ع3)، 137-188.
التطبيقات الإكلينيكية والمؤسسات الطبية الرائدة
شهدت المملكة بناء وتطبيق أول برامج رائدة عالمياً وعربياً في العلاج بالفن الإكلينيكي تحت إشراف وتصميم الدكتور عوض اليامي وفريقه المتخصص، ومن أبرز هذه المبادرات والمؤسسات:
مستشفى التأهيل الطبي بمدينة الملك فهد الطبية (2005م): شهد عام 2005م تأسيس أول وحدة علاج بالفن كمهنة طبية إكلينيكية مساندة معترف بها رسمياً ضمن برامج التأهيل الطبي بمدينة الملك فهد الطبية بالرياض مع أن موقع مدينة الملك فهد الطبية لا يشير الى ذلك وقد تكون هذه سياسات بعض المؤسسات في هذا المجتمع. وظفت هذه الوحدة تطبيقات العلاج بالفن ضمن فريق طبي وتأهيلي متكامل لعلاج وتأهيل المرضى الذين يعانون من أمراض جسدية وعصبية حادة وحوادث بالغة مثل: الشلل النصفي والرباعي، وإصابات الدماغ والعمود الفقري، والتصلب اللويحي المتعدد (MS)، وأورام الدماغ. وساعد هذا البرنامج المرضى على تنشيط مهاراتهم الحركية والعصبية من خلال الرسم والنحت، إلى جانب دوره الفاعل في تخفيف القلق والاكتئاب المصاحب لتلك الإصابات الجسدية البالغة . ولا يزال هذا البرنامج قائم حتى كتابة هذا المقال.
مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية سابقاً (الذي أصبح مسماه حتى الآن مركز الإصلاح والتأهيل) (2007م): في تجربة إكلينيكية فكرية غير مسبوقة عالمياً، تم إدخال برنامج العلاج بالفن كأحد المكونات الأساسية لبرامج المركز بعد تأسيسه بستة أشهر عام 2007م، وذلك بتوجيه ودعم مباشر من وزير الداخلية آنذاك. وصمم البرنامج وأشرف عليه الدكتور عوض اليامي، حيث اعتمد البرنامج على التعبير الفني الإبداعي وصناعة الفن التفاعلي كمنهج أصيل للتنفيس عن مشاعر الغضب والعدوانية وتفكيك الأيديولوجيات المتطرفة وإعادة البناء النفسي والفكري للمستفيدين وتسهيل إعادة دمجهم في المجتمع . وحقق البرنامج مستويات نجاح استثنائية (ساهمت في النجاح الإجمالي لبرامج المركز الذي قارب نسبة 86.17%) ونال إشادات دولية واسعة كأحد أنجح برامج مكافحة الإرهاب الفكري عالمياً.و من الدروس التي انتجها هذا البرنامج هو أنه وبحكم العقليات والمفاهيم المتأصلة عند أفراد العينة تمخض عن ذلك لدى اليامي مفهوم يستحق الدراسة المتعمقة في مجال العلاج بالفن إذ وجد الفريق أن الرموز والممارسات الفلكلورية والشعبية لها أثر علاجي نفسي بالغ الأهمية ويساهم بشكل كبير في العملية التأهيلية مما يعطي مرونة فاعلة للفرد بأن يمارس الفن التشكيلي دون الاعتماد الكلي على النظريات والمفاهيم الخارجية التي قد تكون غريبة على مفاهيم المجتمع، حيث كان مفهوم رسم الأشخاص والتمثيل الواقعي للأشكال الحية يتعارض مع المعتقدات المتأصلة لدى العينة. فوجدو التعبير الفني الرمزي المعتمد على العناصر الرمزية الفلكلورية والشعبية يحظى بتفاعل مناسب للتعبير عن الذات. مما ساهم باكرا في تعزيز فكرة بيولوجيا العلاج بالفن التي تعلمها اليامي في ممارساته بمستشفى بروكو الذي كان يركز على هذه الناحية في التعاملات الطبية النفسية. هنا بدأت نظرية بيولوجيا العلاج بالفن بالتبلور ونتج عنها أن الممارسات الفنية أصلا لا تحتاج لانتاج صورا شكلية محددة لنتوصل الى الشفاء الذاتي وزن افن علاجا صامتا لا يحتاج الى التمثيل الواقعي واستحضار الآلام. فقط ممارسة فنية موجهة تساهم وبشكل أكثر فعالية من التثيل الشكلي والغوص في الآلام. طبعا هذه النظرية ليست بهذه البساطة ولكن اطروحات اليامي وشروحاته توضح ذلك النهج الجديد الذي يكشف أعمق أسرار التعبير الفني.
التأهيل الأكاديمي والتعليم المستمر والاعتماد الرسمي
واجه التخصص في بداياته نقصاً حاداً في الكوادر المؤهلة إكلينيكياً، مما استدعى إطلاق مبادرات أكاديمية ومهنية متكاملة لحماية التخصص وتقنينه:
المقررات والبحوث الجامعية: أسهم الدكتور عوض اليامي في إدراج مقررات دراسية تخصصية في العلاج بالفن كمقرر “الفئات الخاصة” في قسم التربية الفنية بجامعة الملك سعود، واعتماد برامج الماجستير في آداب التربية الفنية المعنية بطرق وتاريخ ممارسة العلاج بالفنون. ولكنها لم تؤتي الثمار التي كان يتطلع اليها الدكتور اليامي في تأهيل الفكر في مجال العلاج بالفن ليخدم الفئات الخاصة اذ كان منهج التربية الفنية يركز على تنمية المهارات الفنية لعقود طويلة، وكان اختراق هذه المفاهيم صعبا للغاية.
البرامج التدريبية المعتمدة من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية وقيمتها وأثرها: تشهد المملكة العربية السعودية نقلة نوعية من خلال اعتماد الهيئة السعودية للتخصصات الصحية لبرامج تدريبية وتأهيلية طويلة الأمد للممارسين الصحيين في المملكة بهدف تقنين ممارسة العلاج بالفن. ويشرف على تقديم هذه البرامج وتدريسها وتدريب الكوادر فيها البروفيسور عوض اليامي بمشاركة أساتذة العلاج بالفن المؤهلين إكلينيكياً من جامعات أمريكية مرموقة (مثل الدكتور فهد الفهيد والدكتورة مها الرشيد)، وذلك عبر شراكات مهنية مع جهات تدريبية متخصصة ومقننة مثل مركز قويم للنقاهة.
وتبرز الأهمية البالغة لهذه البرامج المعتمدة رسمياً في كونها تركز على التدريب الإكلينيكي الميداني تحت الإشراف المهني المباشر لمعالجين مرخصين ومصنفين. وفي المقابل، فإن هناك العديد من الدبلومات التجارية والبرامج التأهيلية الضعيفة التي تطرحها بعض الجهات أو المعاهد، بل وحتى بعض البرامج التي تدعي الصفة المهنية دون أن ترتقي لمستوى الإشراف المهني الحقيقي من قِبل مختصين في العلاج بالفن؛ إذ تفتقر هذه البرامج للمنهجية السريرية وتترك الخريج ليُعلّم نفسه عن طريق المحاولة والخطأ (Trial and Error)، مما يعرض سلامة المرضى للخطر، ويقلل من كفاءة ومهنية الخريج، ويسيء بشكل مباشر لمهنة العلاج بالفن العالمية وقيمتها العلمية أمام الكادر الطبي في المستشفيات.
مبادرات وزارة الصحة: أثمرت هذه الجهود الأكاديمية والميدانية الطويلة عن قيام وزارة الصحة السعودية مؤخراً بإدراج تخصص العلاج بالفن بشكل رسمي في مستشفياتها كجزء من فريق العمل العلاجي المتكامل للمرضى المنومين والمراجعين، الا أن الاستراتيجية المعتمدة في ذلك غير ممنهجة بطريقة صحيحة اذ لا يوجد الا معالج مؤهل أكاديميا واحدا في مدينة الملك فهد الطبية والبقية هم من هواة الفن أو الممارسين الصحيين الذين تدربو في كورسات قصيرة أطولها مدته ثلاثة أشهر مما يجعل الأمر غير مكتمل للعمل كأخصائي علاج بالفن مدرب بشكل كامل. صحيح أن هذه الخطوة في الطريق الصحيح ولكن هذا الطريق يجد نفسه مشتتا بين التخصص الأصلي والتأهيل المزين بالفن التشكيلي. ويطمح الدكتور اليامي وزملائه الى المساهمة الفعلية في هذا الاطار.
دول الخليج العربي
برزت حركات إكلينيكية معتمدة وتأسيسية في عدة دول الخليج من خلال متخصصين أكاديميين حصلوا على تأهيلهم الكلينيكي من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ومن أبرز هذه النماذج:
مملكة البحرين: برزت الأخصائية المعتمدة دلال سندي التي تقود مبادرات مهنية لتقنين التخصص ونشر الوعي بأسسه العلمية السليمة وتخرجت من برامج إكلينيكية بريطانية معتمدة. حصلت على فرصة وظيفية للعمل مع البروفوسور اليامي في مدينة الملك فهد الطبية عندما تخرجت وعملت لمدة سنة هناك ثم انتقلت لتقود العلاج بالفن في البحرين.
دولة الكويت: تقود الدكتورة أمار بهبهاني حركة العلاج بالفن الإكلينيكي من خلال ممارستها الطبية وتأهيلها الأكاديمي والمهني المتقدم المعتمد عالمياً. تخرجت البروفوسور البهبهاني من الولايات المتحدة الأمريكية وتشق طريقها المهني في اختراق عالم الصمت في مجال العلاج بالفن في الكويت.
دول عربية أخرى: أسهمت الأبحاث الأكاديمية الصادرة من جامعات أردنية بالتنسيق مع باحثين عرب، مثل أبحاث الدكتور عبد العزيز الدقيل (أستاذ بجامعة الطائف) المنشورة في المجلة الأردنية للفنون عام 2025م، في تأصيل الأثر العلاجي للفن والنسيج في التخفيف من الأعراض السلوكية والحسية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (ASD) [145، 146، 207، 210]. والجدير بالذكر أن الدكتور الدقيل هو خريج جامعة الملك سعود، وكان بحثه دراسة نظرية لآداب التربية الفنية، حيث حصل على دبلوم تدريبي تأهيلي (بواقع 250 ساعة) من مركز البحوث والدراسات بجامعة الملك سعود بإشراف وتدريس الدكتور عوض اليامي، ثم طور مهاراته وأبحاثه معتمداً على نفسه ومستنداً إلى مراجعة الأدبيات، وهي أبحاث نظرية مفيدة علمياً لتقييم الأثر المعرفي دون أن تصنفه كمعالج إكلينيكي ممارس لعدم خضوعه لبرامج الدراسات العليا الكلينيكية والتدريب المباشر المعتمد دولياً في المستشفيات. يوجد معهد يدرس العلاج بالفن ويعطي دبلوم في العلاج بالفن بطريقتهم الخاصة التي لا ترتقي لأن تكون منهجا اكلينيكيا مناسبا البتة. كما يوجد برامج عربية أخرى مماثلة تتبع نفس الاستراتيجيات والممارسات المهنية الأكاديمية التي تختلف تماما عن المناهج التي تؤهل معالجا بالفن ستطيع العمل كأخصائي علاج بالفن. ويذهب اليها الراغبين في التخصص في العلاج بالفن لأنهم لا يدركون مدى بعدها عن العلاج بالفن الحقيقي. ننصح بمقارنة مناهجها بما يقدم عبر البرامج المعتمدة حاليا في السعودية والدول المعتمدة الأخري في العلاج بالفن التي ترصدها الجمعيات المهنية للعلاج بالفن.
أخلاقيات ممارسة العلاج بالفن والتحذير من “الطرق المختصرة”
تخضع ممارسة العلاج بالفن على الصعيد العالمي لأخلاقيات مهنية صارمة حددتها كيانات دولية مثل الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن (AATA) ورابطة المعالجين بالفن البريطانية (BAAT). وتشترط هذه الأخلاقيات حماية سرية المرضى، وتوفير بيئة علاجية آمنة ومريحة، وخضوع المعالج لإشراف إكلينيكي مستمر، وامتلاكه للرخصة والترخيص المهني من الجهات الصحية المعتمدة.
وينبه الرواد والمتخصصون في الوطن العربي بشدة إلى خطورة انتشار ممارسات و”طرق مختصرة” محلية للتأهيل السريع، والتي تظهر في شكل دورات تدريبية قصيرة (أيام أو أسابيع وحتى أشهر معدودة) وكذلك برامج التعليم عن بعد التي تستغل شغف الأشخاص الراغبين في التأهل كمعالجين بالفن بغض النظر عن الأهلية والاعتمادات الصحيحة، تمنح شهادات مضللة تحت غطاء بعض المؤسسات الأكاديمية أو التجارية.
وينبه الكادر الطبي والمهني إلى الآتي:
طبيعة تجارية ومضللة: هذه البرامج المختصرة تدار بدافع تجاري بحت، ولا تعتبر مطابقة مطلقاً لمعايير وأخلاقيات العلاج بالفن العالمية التي تتطلب تأهيلاً علمياً دقيقاً وسنوات من الدراسة الكلينيكية والتشريحية والطبية الحيوية والنفسية لأن يكون الخريج أخصائي علاج بالفن.
خطورة التدخل غير المؤهل: التعامل مع مرضى الصدمات النفسية، أو التوحد، أو الأورام، أو ذوي الإعاقات الحركية والعصبية من قبل أشخاص غير مؤهلين إكلينيكياً يعرض سلامة المرضى النفسية للخطر، ويتسبب في تراجع حالتهم الصحية.
الإساءة لسمعة التخصص: إن مخرجات هذه البرامج الضعيفة وغير المعتمدة تسيء لسمعة ومصداقية تخصص “العلاج بالفن” وتنزع عنه ثقة الكادر الطبي والصحي في المستشفيات والمراكز الكبرى، بعد عقود من الجهد العلمي الحثيث الذي بذله الرواد لتقنينه والاعتراف به كجزء أصيل من المنظومة الطبية الشاملة.
نصائح وإرشادات هامة للعامة (التأكد من المهنية ومخاطر الطروحات السطحية)
نظراً لحداثة تخصص العلاج بالفن في العالم العربي وتزايد الاهتمام به مؤخراً، يشدد الرواد والمتخصصون على ضرورة توعية الجمهور العام لحمايتهم من الممارسات غير العلمية أو التجارية التي قد تضر بسلامتهم، وذلك من خلال القواعد الذهبية التالية:
التحقق المهني الصارم من هوية المعالج: يجب على العامة عدم تصديق كل من يطلق على نفسه لقب “معالج بالفن”، ويتحتم عليهم فحص وتدقيق مهنية الممارس من خلال التأكد المزدوج من شهاداته الأكاديمية (دراسات عليا متخصصة)، وتصنيفه المهني والصحي من الجهات الحكومية المعتمدة (مثل الهيئة السعودية للتخصصات الصحية)، وخبراته الميدانية والسريرية مجتمعة وضمن مستشفيات معترف بها، وليس بناءً على شهادات دورات عابرة أو ورش عمل ترفيهية سطحية.
محدودية التخصص النوعي وعدم تعميمه: إن حصول ممارس ما على تأهيل أو ممارسة محددة مع فئة معينة (مثل ممارسة نشاط فني مع أطفال التوحد أو كبار السن فقط) لا يعني بالضرورة أنه أصبح معالجاً عاماً قادراً ومتمرساً في العلاج بالفن الإكلينيكي لكافة الحالات النفسية والجسدية المعقدة، ولا يمنحه الأهلية الأكاديمية أو المهنية لتأهيل وتدريب الكوادر الطبية والصحية والمهنية على هذا التخصص الحساس.
عدم الانخداع بالتسويق الإلكتروني والمؤلفات الفردية: لا يُعتبر كل من يسوق لنفسه بأنه معالج بالفن على منصات التواصل الاجتماعي أو موقعه الإلكتروني الخاص مؤهلاً إكلينيكياً بالضرورة. كما أن تأليف ونشر كتاب في العلاج بالفن على منصة نشر ذاتية أو رقمية لا يمنح صاحبه الكفاءة السريرية؛ وخاصة في هذه الآونة التي تتوفر فيها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتي تتيح لأي من الهواة أو المتحمسين كتابة وتأليف نصوص ومؤلفات كاملة ومقنعة ظاهرياً دون أدنى دراية إكلينيكية أو ممارسة حقيقية على أرض الواقع.
التحذير من استخراج الأدبيات أو النصائح العلاجية من الذكاء الاصطناعي: يُحذر المتخصصون بشدة من الرجوع إلى منصات ومحركات الذكاء الاصطناعي لاستخراج خطط علاجية، أو أدبيات تخصصية، أو نصائح تتعلق بالعلاج بالفن. فالذكاء الاصطناعي هو محرك ذكي يقوم على التنبؤ الإحصائي للنصوص، وهو معرض للاختلاق والخطأ الفادح وتزييف الحقائق والمراجع (Hallucinations) تماشياً مع رغبة الباحث وصياغة أسئلته، مما يشكل خطراً حقيقياً إذا طُبقت تلك النصائح أو الأدبيات الخاطئة على حالات مرضية حقيقية.
تنويه قانوني:
تذكر أن الممارسات الخاطئة في العلاج بالفن تؤدي بالفرد الى المسائلة القانونية والعقاب. فلا تتضاهر بالذكاء وتنجرف الى عالم ظاهره براق وباطنه ضرر لك ولغيرك.